التحوّل في عمليات تدقيق الأداء: المراقب والمدقق العام لابتكار التدقيق القائم على التكنولوجيا في الهند
من إعداد: المراقب والمدقق العام في الهند
المقدمة
أدّى التعقيد المتزايد للحوكمة الرقمية إلى إعادة تشكيل مشهد التدقيق بشكل أساسي. وتواجه الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة اليوم سجلات مالية ضخمة، وبنية برامج سريعة التطوّر تفرض ضغوطاً شديدة على أساليب التدقيق التقليدية. والواقع أنَّ التدقيق القائم على العيّنات، ومنهجيات تحليل البيانات التقليدية باتت غير كافية على نحو متزايد لكشف المخاطر النظامية، والعلاقات الخفيّة، وإخفاقات الحوكمة المتأصّلة في النظم الرقمية المترابطة.
ويستجيب المراقب والمدقق العام في الهند لهذا التحدي من خلال ابتكار تدقيق منظّم مدفوع بالتكنولوجيا. وطوال السّنوات الأخيرة، قام جهازنا بدمج قدرات تحليليّة متقدّمة شملت تحليل الشّبكة، والتعلّم الآلي، والتعرّف البصري على الحروف، وتحليلات الصور المدعومة بالذّكاء الاصطناعي في عمليات تدقيق الأداء.
دراسة الحالة 1: تدقيق أداء مخطّطات الرعاية الاجتماعية
تشتمل بنية الحماية الاجتماعية في الهند على العشرات من برامج الرعاية الاجتماعية المتداخلة، من الأمن الغذائي والإسكان إلى التأمين الصحي والتوظيف في المناطق الريفية، حيث يحتفظ كل منها بقواعد بيانات مستقلّة للمستفيدين. ورغم أنَّ التنفيذ الرقمي من خلال تحويلات الفوائد المباشرة قد أدّى إلى تحسين الشفافية إلى حدّ كبير، فقد أدّى أيضا إلى تحديات جديدة مثل استبعاد الأسر المؤهّلة، والازدواجية الخفيّة للفوائد، والتغطية المجزّأة عبر المخطّطات. فقد نظرت عمليات التدقيق التقليدية في المخطّطات بمعزل عن بعضها البعض، ممّا جعل التحليل الشامل للنظام شبه مستحيل.
يُجري الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في الهند تدقيقاً في مخطّطات المستفيدين التي تعتمد على البيانات وتغطّي سبع مخطّطات رعاية اجتماعية رئيسية في سبع ولايات في الهند. وبلغ إجمالي الإنفاق العام الذي شمل المخطّطات السبع خلال عام 2023-24 ما يصل إلى 4.14 مليار روبية. وقد تبنّت عملية التدقيق إطاراً تحليلياً متكاملاً يركّز على الأسرة، إذ عالجت سجلات المستفيدين عبر جميع المخطّطات السبعة باعتبارها عُقداً مترابطة ضمن نموذج رسم بياني موحّد. ويبلغ الحجم المجّمع لقواعد البيانات لجميع المخطّطات السبعة نحو 800 تيرّابايت، إذ جرى تحديد حوالي 140 تيرّابايت من البيانات باعتبارها ذات صلة ومطلوبة للتدقيق. وشكّلت قيم تطبيق 1Aadhaar hash لرقم الهوية الوطنية الهندية معرّفات روابط مجهولة المصدر، ممّا سمح بتحديد أنماط التقارب والاستبعاد على مستوى الأسر دون المساس بالخصوصيّة.
وشمل سير العمل التحليلي استخراج مجموعة البيانات وتوحيدها، ورسم خرائط الأسر العابرة للمخطّطات، ونمذجة الرسوم البيانية وتحليل الجهات المرتبطة، وكشف الحالات الشاذّة، وتحديد الأولويات القائمة على المخاطر للتحقّق الميداني. وكشفت عملية التحقّق من صحة سجلّات مخطّطات الإسكان التي أُجريت في إطار مشروع برادهان مانتري أواس يوجانا (أو بعثة الإسكان الميسور التكلفة من جانب حكومة الهند) في مواقع مختارة عن عدم تطابق بين مرحلة بناء المساكن والإفراج عن الأموال.
وباستخدام تحليل البيانات الضّخمة لجميع السكان، لاحظنا أنَّ نحو 3.6 مليون أسرة بقيت مستبعدة من المزايا في إطار مخطّطات الرعاية الاجتماعية الرئيسية رغم كونها أسراً مستهدفة مؤهّلة، وهو اكتشاف من المستحيل أن يظهر من خلال طرق أخذ العيّنات وتحليل البيانات التقليدية. كما سلّط هذا الضوء على ضرورة إجراء إصلاحات شاملة في آليات الاستهداف والتنسيق بين المخطّطات، الأمر الذي يوضح كيف يمكن أن تقدّم التحليلات المتكاملة مرئيات قائمة على الأدلّة في ما يتعلّق بفعاليّة تقديم الرعاية الاجتماعية والوصول إلى الفوائد العادلة.
دراسة الحالة 2: “الذّكاء الاصطناعي” – أداة تحليلات الصور المدعومة بالذّكاء الاصطناعي
اعتمد التحقّق من المستفيدين في عمليات تدقيق الرعاية الاجتماعية تقليدياً على حقول البيانات المنظّمة لكشف الحالات الشاذّة. إلا أنَّ بعداً كبيراً من هويّة المستفيدين بقي غير مدقّق بالكامل، أي الصور المخزّنة إلى جانب سجلات قاعدة البيانات في كلّ مخطّطات الرعاية الاجتماعية الرئيسية تقريباً. ويمثّل الاحتيال البصري مثل الصور المعاد استخدامها التي تمكّن التسجيل المتعدّد، والصور الفارغة أو غير البشرية، والصور الجماعية التي تحجب الهوية الفردية ثغرة أمنية نظاميّة لا يمكن أن يكشفها التحليل المنظّم للبيانات.
وقام مركز إدارة البيانات وتحليلاتها التّابع للجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في الهند بتطوير مجموعة أدوات لتحليل الصور تستند إلى الذّكاء الاصطناعي تُعرف بـ”Artifacial Intelligence” باستخدام مكتبات Python المفتوحة المصدر للتحقّق من صحة المستفيدين استناداً إلى الصور. وتتيح هذه الأداة كشف الصور المكرّرة باستخدام التهشير الإدراكي، وتحديد الصور المتطابقة المستخدمة عبر تسجيلات متعدّدة مع عتبة مطابقة بنسبة 100% للحدّ من الإيجابيات الكاذبة، وكشف الصور الخطأ، وتحديد الملفات ذات ملحقات الصور الصالحة التي لا تحتوي على بيانات صور فعليّة، وكشف الوجه وتحليل العدد.
ولا يتطلب التطبيق، الذي يستند إلى مكتبات OpenCV وdlib وFace_recognition بواجهة رسومية من PyQt6، معرفة الترميز، وهو يعمل على أجهزة سطح مكتب قياسية، وينتج مخرجات كملفات CSV منظّمة أو أدلّة صور منظّمة. ويلخّص رسم Sankey التخطيطي2 نتائج التحليلات بشكل مرئي لإعداد تقارير التدقيق.
وعالجت الأداة 238,000 صورة مرتبطة بـ119,000 مستفيداً أثناء تدقيق للأداء. وتمثّلت العيوب النظامية في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات للمخطّطات في تكرار الصور والمدخلات غير الصّالحة التي يمكن أن تكون قد سمحت بإساءة استخدام أموال الرعاية الاجتماعية. وساهمت هذه النتائج بشكل مباشر في توجيه ملاحظات التدقيق وتوصيات السّياسة لتعزيز ضوابط التحقّق من صحة الصور في نظم تكنولوجيا المعلومات الخاصّة بمخطّطات الرعاية الاجتماعية.
دراسة حالة 3: عمليات تدقيق المشتريات الإلكترونية من خلال خوارزمية التعلّم الآلي
تبقى المشتريات العامة أحد المجالات الأكثر خطورة في ما يتعلّق بإخفاقات الحوكمة. وتشكّل العطاءات التواطئية، وتشكيل التكتّلات، وتناوب العطاءات، والعطاءات الوهمية، واستخدام البائعين بالوكالة، مخاطر مستمرة يصعب على عمليات التدقيق التقليدية في المشتريات تحديدها. ولا يمكن للتدقيق في كل عطاء على حدة، مهما كان دقيقاً، أن يكشف الأنماط على مستوى الشبكة التي تميّز التواطؤ النظامي.
وطوّر الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في الهند إطاراً لتحليلات الشبكة يتمحور حول العلاقات من أجل عمليات تدقيق المشتريات الإلكترونية، والذي يدمج ثلاثة تقنيات تحليلية تكميلية. وجرى تصميم تحليل الشبكة المستند إلى الرسوم البيانية على شكل عُقد وحواف مترابطة، مما يتيح العرض البصري لمجموعات العارضين الكثيفة وشبكات الموردين المهيمنة وعلاقات المشتريات الشاذّة على نطاق واسع. ويجري كشف الأنماط باستخدام خوارزمية مسبقة3 لتحديد مجموعات مقدّمي العطاءات المتكرّرة عبر فعاليات المشتريات المتعدّدة. وتُعتمد طريقة تحديد الكيانات باستخدام المطابقة غير الواضحة (وهي تقنية تستخدم لتحديد سلاسل البيانات التي قد لا تكون متطابقة تماماً وربطها، ولكن من المرجح أن تمثّل الكيان نفسه) حيث جرت مطابقة أسماء المورّدين وعناوينهم وتفاصيل التسجيل للكشف عن هويات الموردين المكرّرة والعلاقات المخفية بين مقدمي العطاءات المستقلين ظاهرياً.
وجرى بناء الإطار بالكامل على تكنولوجيات مفتوحة المصدر مثل برمجة R ومكتبات 4Python لضمان قابلية التوسّع وفعاليّة التكلفة. وقد مكّنت المنهجية من إجراء تحليل شامل لسلوك المشتريات، وكشف الروابط الخفيّة مع الموردين، وأنماط العطاءات التواطئية، وتحديد المخاطر الشاملة غير المرئية للمراجعة التقليدية. كما قمنا ببناء قدرات تحليلية مؤسّسية من خلال نماذج سير عمل موحدة، ممّا قلّص العوائق التقنية أمام فرقاء التدقيق اللاحقة.
دراسة الحالة 4: التعرّف البصري على الحروف وتحليل المستندات بمساعدة الذّكاء الاصطناعي
من السّمات المميّزة للتدقيق العام في نظم الحوكمة الضّخمة الحجم الهائل من الأدلّة المستندية غير المنظّمة مثل الشّهادات الممسوحة ضوئياً، ودفاتر التوفير المكتوبة بخطّ اليد، والفواتير، وأوامر التقييم، وما إلى ذلك هو أنَّ التدقيق اليدوي في هذه الأدلّة يستغرق وقتاً طويلاً، وهو عرضة للخطأ، ومحدود بطبيعته في التغطية.
ونشر الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في الهند تقنية التعرّف البصري على الحروف عبر مسارَي تدقيق مختلفين. وقد جرى نشرها في عمليات تدقيق الرعاية الاجتماعية وتكامل المستندات التي تدمج التعرّف البصري على الحروف بلغتين (الهندية والإنكليزية) مع معالجة اللغة الطبيعية ورؤية الكمبيوتر لاستخراج وتحليل النصوص من شهادات المستفيدين ودفاتر التوفير والمستندات ذات الصلة. وتكشف طبقة جنائية مؤشّرات التلاعب مثل علامات المبيّض والسّجلات المعدّلة والصور المكرّرة وطبقة دمج التدقيق التي تقوم بتجميع الأدلّة النصية والمرئيّة في استنتاجات تدقيق قابلة للتفسير بمساعدة الذّكاء الاصطناعي. وعلى نحو مماثل، في عمليات التدقيق المباشرة في البيانات الضريبية والمالية، تستخرج تقنية التعرّف الضوئي على الحروف البيانات المنظّمة من تقارير التدقيق الضريبي والفواتير وأوراق الحساب والبيانات المالية بصيغة المستندات المنقولة (PDF) أو بشكل ممسوح ضوئياً. ويجري توحيد البيانات المستخرجة والتحقّق منها عبر مستندات المصدر وتحليلها بحثاً عن أي حالات شاذّة أو عدم اتّساق. كما يجري تطبيق إجراءات تحقّق محدّدة، بما في ذلك اختبار تسجيل فواتير الإيرادات والمشتريات في الفترة المحاسبية الصحيحة، والتحقّق المتبادل بين إقرارات ضريبة الدخل وتقارير التدقيق الضريبي وما إلى ذلك.
وأدّى هذا إلى انخفاض كبير في عبء عمل التدقيق اليدوي، وتسريع معالجة الأدلّة، وتحسين الكشف عن مؤشرات الاحتيال، وتوسيع نطاق تغطية التدقيق.
المسارات العملية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة: البدء بابتكار التدقيق
تقدّم تجربة الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في الهند في هذه المبادرات الأربع دروساً قابلة للتنفيذ. وتتمثّل المرحلة الأولى في التّشخيص والتأسيس حيث يمكن أن تبدأ الأجهزة بتقييم مدى توفّر البيانات الرقمية التي تحتفظ بها الجهات الخاضعة للتدقيق وجودتها وإمكان الوصول إليها. ويتعيّن على الأجهزة إجراء تقييم صادق للقدرات التحليلية الداخلية: المهارات المتاحة، والأدوات المستخدمة بالفعل، والفجوات التي يجب سدّها.
وتتضمّن المرحلة الثانية إجراء تجارب مستهدفة. وبدلاً من محاولة التحوّل على مستوى الأجهزة ككلّ في وقت واحد، تستفيد الأجهزة بشكل أفضل من خلال تحديد مجال تدقيق تتوفّر فيه البيانات الرقمية، وتُحدّد مسألة التدقيق بشكل جيّد.
أما المرحلة الثالثة فهي الدّمج المنهجي. ويجب تدوين النماذج التجريبية الناجحة في أطر قابلة لإعادة الاستخدام: إجراءات سير العمل الموثّقة، والنصوص الموحّدة، ونماذج التدقيق، وبروتوكولات ضمان الجودة التي تسمح للفرقاء اللاحقة بتكرار المنهجيّة وتكييفها من دون إعادة بنائها من الصّفر. وهذه هي المرحلة التي ينتقل فيها الابتكار من الخبرة الفردية إلى القدرة المؤسّسية.
وتتمثّل المرحلة الرابعة والأكثر أهمية بالقدرة والثّقافة. ويتعيّن على الأجهزة أن تستثمر في برامج التدريب المنظّمة التي تعمل على تطوير المعرفة التحليلية بين كوادر التدقيق. وهذا لا يعني تحويل كل مدقق إلى عالم بيانات، بل ضمان فهم الأدوات التحليلية والثّقة فيها واستخدامها وفقاً لحكم مهني.
الخلاصة
يتطلّب التحوّل الرقمي لنظم الحوكمة تحوّلاً مماثلاً في تدقيق القطاع العام. وتثبت تجربة الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في الهند أنَّ التكنولوجيات الناشئة مثل الطائرات بدون طيار، وتحليلات الصور، وتقنيات الذّكاء الاصطناعي/التعلّم الآلي يمكنها بشكل جماعي تحويل قدرات التدقيق من اختبار المعاملات التفاعلية إلى الإشراف الاستباقي القائم على الذّكاء.
ومع تزايد تعقيد نظم الحوكمة وترابطها رقمياً، فإنَّ الأجهزة التي ستحقّق القيمة العامة الأعلى هي تلك التي تستثمر اليوم في الأدوات والتقنيات والثّقافة المؤسّسية اللازمة لمواجهة تحديات التدقيق في المستقبل. لقد بدأ التحوّل، وبات لزاماً علينا الآن أن نعجّل به ونشاطره.
الحواشي
- رقم Aadhar هو رقم التعريف الفريد المكوّن من 12 رقماً والذي يتمّ إصداره للمقيمين في الهند. ↩︎
- هو مخطّط انسيابي مرئي يتناسب فيه عرض الأسهم بشكل مباشر مع معدّل التدفّق أو كميّة البيانات. ↩︎
- خوارزمية تعلّم آلي غير خاضعة للرقابة ↩︎
- مكتبات Python بما في ذلك NetworkX وigraph وtidygraph ↩︎