دور الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة في مراجعة البنوك المركزية والأنشطة الحكومية خلال الأزمات المالية والاقتصادية

بواسطة and
المتحدثون في الموضوع 1. المصدر: مجلة INTOSAI

من إعداد: جيسيكا دو، نائبة رئيس تحرير المجلة الدولية للرقابة المالية الحكومية

خلال المؤتمر الدولي الخامس والعشرين للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة (الإنكوساي)، ركّز المندوبون على مسألة بالغة الأهمية تواجه المؤسّسات العامة اليوم ألا وهي فهم الدور الذي يتعيّن أن تؤدّيه الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة في مراجعة البنوك المركزية والأنشطة الحكومية خلال الأزمات المالية والاقتصادية.

موضوع حسّاس وتوقيته مناسب

في معرض تقديم الموضوع الفني الأول للمؤتمر، حدّد رئيس الإنتوساي ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات في جمهورية مصر العربية، معالي المستشار محمد الفيصل يوسف، وجهة النقاش من خلال تسليط الضوء على تنوع الاختصاصات التي تعمل بموجبها الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة. وأشار إلى أنَّ بعض الأجهزة عبر الولايات القضائية تجري تدقيقاً في حسابات البنوك المركزية بشكل مباشر، في حين أنَّ بعضها الآخر مقيّد بأطر قانونية أو دستورية مصمّمة لحماية الاستقلالية النقدية. ولكن بصرف النظر عن هذه الاختلافات، فإنَّ المسؤولية الأساسية الملقاة على عاتق الأجهزة تبقى هي نفسها، أي التكيّف في أوقات الأزمات، وتخفيف المخاطر، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسّسات العامة. وشدّد على أنَّ الأزمات المالية لا تعطِّل الأسواق فحسب، بل تضع أيضاً نظم الحوكمة على المحك.

رئيس منظمة INTOSAI، السيد محمد الفيصل يوسف، رئيس هيئة المساءلة الحكومية المصرية (ASA). المصدر: مجلة INTOSAI
المتحدثون في الجلسة النقاشية للموضوع الأول. المصدر: مجلة INTOSAI

رسم المشهد العالمي

بهدف تحديد إطار النقاش، سلّط المدير العام بمكتب المساءلة الحكومية الأمريكي، السيد ستيفن سانفورد، الضوء على ورقة الموضوع الأول وعرض النتائج التي توصّل إليها مسح عالمي أجرته مجموعة عمل الإنتوساي المعنية بالاستقرار المالي والاقتصادي. وقد استجاب نحو ثلث أعضاء الإنتوساي، مما سمح بتكوين لمحة عامة عن الممارسة الحالية.

وقدّمت نتائج المسح مرئيّات مهمّة عن المشهد العالمي الحالي، إذ أفاد نحو 70% من الأجهزة المجيبة بأنّها تتمتّع ببعض الصلاحيات للتدقيق في حسابات مصارفها المركزية، في حين أشار نحو 30% منها إلى أنّها لا تتمتّع بأي صلاحية. وحتّى في الإطار الذي تتوفّر فيه مثل هذه الصلاحية، يتفاوت نطاقها إلى حد كبير – يتراوح بين عمليات التدقيق الشاملة المالية والخاصة بالامتثال والأداء، والمسؤوليات المحدّدة أكثر أو الضّيقة التحديد.

وفي مختلف المناطق، أفادت الأجهزة عن تحديات مشتركة تتمثّل في الخبرة الفنية المحدودة في الأدوات المالية المعقّدة، وصلاحية التدقيق المقيّدة، وصعوبة الوصول إلى البيانات الحسّاسة، والمهمّة الدقيقة المتمثّلة في الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية مع ضمان المساءلة في الوقت نفسه. واتّفق المشاركون على أنَّ السؤال ليس ما إذا كان من الواجب مراجعة حسابات البنوك المركزية، بل كيف يمكن إيجاد توازن يحترم الاستقلالية من دون أن يكون على حساب الشفافيّة.

ستيفن سانفورد، المدير الإداري للتخطيط الاستراتيجي والاتصال الخارجي، مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي (GAO). المصدر: مجلة INTOSAI.

تجربة مصر: مراجعة الاستجابة للأزمات

كانت تجربة مصر الخاصّة بمثابة دراسة حالة عملية. فأثناء الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وكذلك أثناء جائحة كوفيد-19، اعتمد البنك المركزي المصري أدوات السياسة النقدية لاستيعاب الصدمات الاقتصادية، أي تعديل أسعار الفائدة ومتطلّبات الاحتياطي وآليات السيولة. في الوقت نفسه، قدّمت الحكومة برامج اجتماعية وقائية لحماية المواطنين من التضخّم وخسارة الدخل.

وشرح المحاسب علي عبد العال، رئيس قطاع بالجهاز المركزي للمحاسبات، بالتّفصيل كيف بلغ الإنفاق العام 41 مليار جنيه مصري خلال الفترة 2024-2025، استجابةً للضغوط الاقتصادية المستمرة. وتراوحت المبادرات بين برامج الأمن الغذائي والإعانات التي تهدف إلى زيادة القوة الشرائية. وجرى تقديم خصومات تصل إلى 20% على سلع مختارة، شرط أن يكون ما لا يقل عن 25% من مكوّناتها مصنّعة محلياً.

علي عبد العال، رئيس قطاع في هيئة المساءلة الحكومية المصرية. المصدر: مجلة INTOSAI

كما موّلت مبادرات أخرى مؤسّسات صغيرة ومتوسطة الحجم، ودعمت قطاع السياحة، وموّلت مشاريع طاقة متجدّدة وتنمية زراعية.

ولم يقض دور الجهاز المركزي للمحاسبات بالتّشكيك في قرارات السياسة النقدية، بل بتقييم فعاليّة هذه المبادرات وكفاءتها. وقام الجهاز بتقييم ما إذا كانت الأموال تصل إلى المستفيدين المستهدفين، وما إذا كانت الضوابط الداخلية كافية، وما إذا كان قد جرى تحقيق أهداف المبادرات.

وأدّت نتائج المراجعة إلى توصيات قامت بتقوية آليات المراجعة الداخلية، وتحسين التنسيق بين الوكالات المنفّذة، وتعزيز كفاءة إدارة الموارد العامة. ومع ذلك، استمرّت التحديات – خصوصاً في ما يتعلّق بالتعقيد المتمثّل في التّنسيق بين المؤسّسات المتعدّدة والتحوّل الرّقمي المستمر لقواعد بيانات الدعم.

وكان الدّرس واضحاً وهو أنّه في أوقات الأزمات، يجب أن يكون التدقيق مرناً، ومستنداً إلى المخاطر، ومتطلّعاً إلى المستقبل. ويتعيّن على الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة أن تحدِّد الأنشطة التي تنطوي على مخاطر عالية، وأن تحرص على الوقاية من الفساد وسوء الإدارة، وأن تحوّل التحديات إلى فرص لإدخال تحسينات نظاميّة.

المنظور السعودي: الضوابط الداخلية والاستقلالية

ومن المملكة العربية السعودية، أكّدت الأستاذة لاما بنت عبد العزيز الحمّادي من الديوان العام للمحاسبة السعودي على أهميّة تعزيز الضوابط الداخلية أثناء الاضطرابات المالية.

ورغم أنَّه ليس للديوان تفويض بالتدقيق في حسابات البنك المركزي السعودي بصورة مباشرة، فقد أجرى عمليات تدقيق مكثّفة لاستجابات الحكومة أثناء جائحة كوفيد-19، أي النظر في برامج دعم الأجور، وتدابير الإعفاء الضريبي، ومبادرات الأمن الغذائي. وعكست ملاحظاتها فهماً مشتركاً مفاده أنَّ الإجراءات المالية والنقدية “وجهان لعملة واحدة”. وحتّى عندما يبقى جانب واحد خارج نطاق صلاحيّة التدقيق المباشر، يجب أن يخضع الجانب المرئي – الإنفاق العام – لتدقيق صارم.

إلى ذلك، اعتبرت أنَّ المدققين في هذا المجال يحتاجون إلى ما هو أكثر من مهارات المحاسبة التقليدية، أي معرفة عميقة بالسياسة الاقتصادية الجزئية، والتنظيم المالي، وإدارة السيولة، وآليات الاستجابة للأزمات. ولا تقلّ القدرة التحليلية والطلاقة التكنولوجية أهميّة، لاسيّما مع تحوّل النظم المالية إلى نظم أكثر رقمية وتعقيداً.

السيدة لمى الحمادي من المكتب العام لمراجعة الحسابات في المملكة العربية السعودية. المصدر: مجلة INTOSAI

الاتحاد الأوروبي: تعقيد على نطاق واسع

وصف السيد ميهاليز كوزلوفز من ديوان مراجعي حسابات الاتحاد الأوروبي كيف تعامل الاتحاد الأوروبي مع إصلاح الحوكمة المالية بعد أزمة عام 2008. ففي عام 2012، أنشأ الاتحاد الأوروبي الاتحاد المصرفي الأوروبي، فأوجد آلية إشرافية واحدة، وآلية حلّ واحدة، ودليلاً موحّداً للقواعد للدول الأعضاء.

ونقلت هذه الإصلاحات أدوات تشغيلية جديدة ومسؤوليات إشرافية جديدة إلى مستوى الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي رفع التوقّعات بشأن الإشراف المستقل. غير أنّها أدّت أيضاً إلى التعقيد. وتشمل صلاحيات التدقيق الآن مستويات متعدّدة، أي المشرفين الوطنيين، ومؤسّسات الاتحاد الأوروبي، والترتيبات الحكومية الدولية.

وقد تطرّق الديوان لهذا المشهد المتطوّر من خلال عمليات التدقيق في الأداء وبناء الثقة المتبادلة مع الجهات الخاضعة للتدقيق. ولكنّه قال إنَّ التجربة لم تكن واضحة المعالم. فكلّ عملية تدقيق في هذا المجال فريدة من نوعها، وحسّاسة سياسياً، ومتطلّبة من الناحية الفنية. وتطلّبت المخاوف المتعلّقة بالسّرية وحواجز تبادل المعلومات بنية تحتية تكنولوجية آمنة ونظماً متطوّرة. ومع ذلك، يبقى المبدأ الأساسي قائماً وهو أنَّ الاستقلالية والمساءلة ليستا قوتين متعارضتين. فإذا كانتا منظّمتين بشكل صحيح، فإنّهما تعزّزان بعضهما بعضاً.

ميخائيل كوسلوفس من محكمة مراجعة الحسابات الأوروبية (ECA). المصدر: مجلة INTOSAI.

بناء القدرات لعصر جديد

خلال الجلسات الجانبية بلغات متعدّدة لمناقشة الموضوع الأول، برزت رسالة ثابتة مفادها أنَّ القدرة المؤسّسية هي أساس المصداقية. وعمل الديوان العام للمحاسبة السعودي كمقرّر عام، فجمع نقاشات الجلسات الجانبية التي أدارتها اللجنة العامة للتدقيق في ليبريا ومكتب مراقب الدولة في إسرائيل [الإنكليزية]، وديوان المحاسبة في الأردن ومحكمة المحاسبات في تونس [العربية]، ومكتب المدقق العام في كندا وديوان المحاسبة في السنغال [الفرنسية]، ومكتب المراقب العام في جمهورية بنما والمدقق العام في جمهورية بيرو [الأسبانية].

منسقو الجلسة الخاصة بالموضوع الأول. المصدر: مجلة INTOSAI.

ويتطلّب التدقيق في حسابات المصارف المركزية والهيئات الناظمة المالية خبرة في الاقتصاد، والتنظيم المصرفي، وإدارة المخاطر، والتحليل الاقتصادي الكلي. ولاحظ المشاركون انخفاضاً مقلقاً في عدد الطلاب الملتحقين ببرامج الاقتصاد في بعض المناطق، الأمر الذي أدّى إلى نقص في الاختصاصيين من ذوي الخبرة.

علاوةً على ذلك، تسبّبت أزمات مثل كوفيد-19 في نشوء تحديات تشغيلية. وحدّدت قيود السفر الوصول إلى الجهات الخاضعة للتدقيق. غير أنَّ المشاركين في الإنكوساي شدّدوا على عدم إمكان التخفيف من المعايير الأخلاقية ومتطلبات الأدلّة. ويجب أن يتكيّف المدققون من خلال إجراءات بديلة، وأدوات رقمية، وقنوات بيانات آمنة، ولكنّهم لا يستطيعون التنازل عن الأدلّة.

وتؤكد المعايير الدولية على غرار المعيار الدولي للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة 315 على ضرورة فهم المدققين للسياق بدقّة. واتّفق المندوبون على أنَّ تدقيق الأزمات يتطلّب تعليماً مهنياً مستمراً، وفرقاء تمتلك اختصاصات متعدّدة، وتحليلات متقدّمة للبيانات، بل وحتى استخداماً استراتيجياً للذّكاء الاصطناعي لمعالجة مجموعات البيانات الضّخمة والكشف عن أنماط المخاطر.

وجرى اعتبار الإنتوساي وهيئاتها في المناطق منصّات حيوية لتبادل المعرفة – من خلال ورش العمل، ومراجعات الأقران، وتبادل الموظفين، وعمليات التدقيق الموازية. ويؤكّد هذا بصورة أكبر على أهميّة تبادل الخبرات لتعزيز قدرة الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة على التكيّف جماعيّاً.

الوضوح القانوني والتعاون المنظّم

طُرِحَ سؤال دائم يتعلّق بالاختصاصات القانونية أثناء نقاشات الموضوع الأول. ففي بعض الولايات القضائية، تمتدّ الترتيبات النقدية إلى ما هو أبعد من السلطة الوطنية، الأمر الذي يعقّد عملية الإشراف. وأفاد ما يقرب من سبعة من كل عشرة أجهزة عن بعض الصلاحيات القانونية للتدقيق في حسابات مصارفها المركزية، ولم يبلغ ثلاثة من كل عشرة أجهزة عن أيّ منها. وحيثما توفّرت الصلاحية، فإنّها كثيراً ما تستبعد أحكام السياسة النقدية مع السّماح بمراجعة عمليات الحوكمة، وإعداد التقارير المالية، والأداء التشغيلي.

وأكّد المشاركون في المؤتمر على أهميّة الاختصاصات التشريعية الواضحة. وقد يؤدّي الغموض إمّا إلى التدخّل المفرط أو ضبط النفس بلا مبرّر، علماً بأنَّ الأمرين يضعفان المساءلة. من ناحية أخرى، تشجّع الحدود الواضحة المعالم التعاون البنّاء وتعزّز الاحترام المتبادل بين المؤسسات. ولا ينبغي أن يتدخّل الإشراف في استقلالية السياسة، ولكن لا ينبغي أيضاً أن تتحوّل الاستقلالية إلى ابتعاد عن التدقيق.

مجموعات النقاش للموضوع 1. المصدر: مجلة INTOSAI.

ما وراء التدقيق المالي: رؤية أوسع

مع استمرار النقاشات، باتت الرؤية الأكثر شمولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة أكثر وضوحاً: يجب أن يتجاوز دور الأجهزة أثناء الأزمات التدقيق المالي التقليدي، وأن يمتدَّ إلى التقييمات الطويلة الأجل لفعاليّة السياسة، والتحليل الاقتصادي الكلي، والتقييم الاستباقي للمخاطر الناشئة.

ويتعيّن على المدققين ألا يسألوا فقط ما إذا كان يجري إنفاق الأموال بشكل قانوني، بل أيضاً ما إذا كانت التدخلات تحمي الفئات الأكثر ضعفاً، وتعزِّز القدرة على التكيّف الاقتصادية، وتبرّر الموارد العامة المنشورة.

وينبغي أن يقيّم الإشراف على الأزمات التنسيق بين وزارات المالية، والمصارف المركزية، والهيئات الناظمة لأنَّ الأزمات تشكِّل اختباراً للنظم، وليس للمؤسسات المعزولة. ويمكن أن تعمل آليات التدقيق في الوقت الحقيقي والمتابعة المنظّمة على تحويل النتائج إلى إصلاح ملموس.

السيدة يارا العاقيل من محكمة الحسابات العامة في المملكة العربية السعودية، المقررة العامة للموضوع 1. المصدر: مجلة INTOSAI

شراكة في النزاهة

مع اقتراب الإنكوساي من اختتام مناقشة هذا الموضوع، تردّد صدى قناعة مشتركة عبر المناطق والنظم القانونية مفادها أنَّ الإشراف والاستقلالية شريكان في النزاهة.

وتحمي المصارف المركزية استقرار الأسعار والثقة المالية، وتعمل الحكومات على نشر الأدوات المالية لحماية المواطنين، فيما تقف الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة عند تقاطع بينهما، فتضمن إدارة الموارد العامة بشكل قانوني وفعّال، وعلى نحو يدعم الثقة.

وستستمر الأزمات الاقتصادية والمالية في اختبار البلدان. ولكن عندما تكون صلاحية التدقيق واضحة، تكون القدرة قوية، والتعاون حقيقي، ويصبح الإشراف أكثر من مجرّد ممارسة رجعية، ويتحوّل أيضاً إلى أداة استراتيجية للقدرة على التكيّف في الأوقات العصيبة. وليست عمليات التدقيق مجرّد فحص للنفقات، فهي تساهم في ضمان الثّقة بين المواطنين والمؤسّسات التي تقدّم الخدمات لهم، وتشكِّل استثماراً في القدرة على التكيّف الاقتصادية والمالية خلال المصاعب.

العودة الى الأعلى