استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المراجعة
من إعداد: جيسيكا دو، نائبة رئيس تحرير المجلة الدولية للرقابة المالية الحكومية
خلال المؤتمر الدولي الخامس والعشرين للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة (الإنكوساي)، ركّزت المداولات على الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في بناء مستقبل المراجعة المالية في القطاع العام. فقد اجتمع مندوبون من الأجهزة في مختلف أنحاء العالم لدراسة الفرص التي يتيحها التطور التكنولوجي الذي يمكن أن يخلّف عواقب بعيدة المدى على المساءلة، والحوكمة، والثقة العامة.
ترأّس رئيس الإنتوساي ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات في جمهورية مصر العربية، معالى المستشار محمد الفيصل يوسف، ترأس الموضوع الفني الثاني: “استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المراجعة”، و في ملاحظاته الافتتاحية وضع النقاش في إطار من الاستمرارية والمسؤولية، مؤكّداً على ضرورة مقاربة دمج الذكاء الاصطناعي ليس باعتباره خروجاً عن العمليات القائمة، بل تطوّراً مدروساً ومحكماً بعناية ويستند إلى الحكم المهني، والمعايير الأخلاقية، والإشراف المؤسّسي القوي.

تقييم المشهد العالمي: نظرة مستقبلية مشجّعة مع ضمانات واضحة
قدّم الجهاز المركزي للمحاسبات المصري نتائج مسح عالمي شامل أجري ضمن الإنتوساي كجزء من ورقة الموضوع الثاني. وساهم أكثر من 60 جهاز رقابي بوجهات نظرها، الأمر الذي كشف عن نظرة إيجابية لتبنّي الذكاء الاصطناعي في المراجعة.
واعتبر 92% من الأجهزة المجيبة أنَّ الذكاء الاصطناعي قادر على تعزيز نتائج المراجعة. ورأى 87% منها مزايا واضحة للذكاء الاصطناعي لدعم إجراءات تقييم المخاطر. ويخطّط ما نسبته 90% من الأجهزة لدمج الذكاء الاصطناعي في عمليات التدقيق الخاصّة بها. ويتوقّع أكثر من نصفها انخفاضاً في المهام الروتينية من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات المراجعة.

إلا أنّ هذا التفاؤل لم يكن ساذجاً. فقد أكّد المشاركون في المسح على مخاوفهم بشأن جودة البيانات، وشفافيّة الخوارزميات، وأطر الحوكمة، ومحو الأميّة الرقمية. كما اتّفقوا على أنَّ تكامل الذكاء الاصطناعي يتطلّب ما هو أكثر من مجرد شراء البرمجيات – فهو يتطلّب تحوّلاً رقمياً، ومحواً للأمية الخوارزمية، ونموذجاً هجيناً تستكمل فيه قدرة الآلات الخبرة البشرية. واتّفق مندوبو الإنكوساي بأغلبية ساحقة على أنّ الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً للمدققين بل شريكاً لهم.
ومن خلال 24 دراسة حالة قدّمها 13 جهازاً رقابياً عرضت التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي، فضلاً عن المبادرات الاستراتيجية، برز موضوع ثابت: النهج الهجين هو المسار الأكثر فعاليّة للمضي قدماً، إذ إنّه يجمع بين القدرات الخوارزمية والخبرة البشرية وكذلك بين التشغيل الآلي والإشراف الأخلاقي القوي.

علم الحكومة الأفضل
جرى توسيع الإطار الفكري مع المرئيات التي قدّمتها هيلين مارغيتس، أستاذة المجتمع والإنترنت في جامعة أكسفورد ومديرة برنامج السياسة العامة في معهد آلان تورينغ.
فقد ذكّرت المندوبين بأنَّ غالبية نظم الذكاء الاصطناعي اليوم قد صمّمها القطاع الخاص ومن أجله. ولم تقد الحكومات هذه الثورة حتى الآن، ولكنّها قادرة على ذلك. وقالت إنَّ الإمكانات هائلة، وإنّه وبوسع الذكاء الاصطناعي تحويل الطريقة التي تتواصل بها الحكومات مع المواطنين، ومنح الحقوق، ومعالجة الطلبات، وتخصيص الموارد. وتكمن وراء كل موافقة على ترخيص أو أي دفعة من الفوائد الاجتماعية سلسلة من “القرارات الجزئية”. ويمكن أتمتة العديد من هذه المهام المتكرّرة الكبيرة الحجم باستخدام الذكاء الاصطناعي بأمان وكفاءة.
ووجّهت الأستاذة مارغيتس تحذيراً واضحاً مفاده أنَّ الإنتاجية وحدها لا تكفي. ويجب أن تبقى المساواة في صميم النقاش بشأن الذكاء الاصطناعي. وتحاكي نظم الذكاء الاصطناعي التحيّزات المضمّنة في البيانات التاريخية والقرارات البشرية. وفي غياب الضمانات المتعمّدة، قد يتفاقم عدم المساواة بدلاً من الحدّ منه.
إلى ذلك، شدّدت الأستاذة مارغيتس على عدم إمكان الحكومات إطلاق نظم تعلّم آلي “صحيحة بنسبة 85%”. وتتطلّب الثقة العامة شبه يقين. وهذا يتطلّب إجراء تجارب، والقيام بمشاريع تجريبية، وتوسّعاً تدريجيّاً – مقترناً بشمولٍ رقمي، ووضوح للحوكمة، وتعاونٍ دولي.

الذكاء الاصطناعي في الممارسة العملية: المراجعة المالية وما بعدها
من النظرية إلى التطبيق، تحدّث المراقب والمدقق العام في المكتب الوطني للتدقيق في المملكة المتّحدة، غاريث ديفيز، عن الطريقة التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل عمليات المراجعة المالية.
وتُستخدم نماذج التعلّم الآلي لتحليل مخاطر الاحتيال. وتعمل الأدوات الجاهزة مثل Data Snipper على أتمتة اختبارات التدقيق الروتينية. وتساهم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في مراجعة محاضر جلسات المجلس. وقد أظهرت النتائج المبكرة زيادةً في الكفاءة، وتوفيراً في الوقت، وتجربةً أغنى للمتدرّبين. وجرى حتّى تعديل مستويات التوظيف مع ارتفاع الإنتاجية.
غير أنَّ المراقب والمدقق العام ديفيز كان واضحاً، فالذكاء الاصطناعي يغيّر طريقة إتمام عمليات التدقيق، وليس سبب إجرائها. ويبقى الحكم المهني مهمّاً بدرجة كبيرة. ويتعيّن على المدققين أيضاً التدقيق في استخدام الحكومات لنظم الذكاء الاصطناعي، بما يضمن الشفافيّة والعدالة والحوكمة السّليمة.

وناقش الأستاذ أحمد القرشي، المدير التنفيذي للمراجعة المالية والالتزام في الديوان العام للمحاسبة في المملكة العربية السعودية ومحاسب عام معتمد، ناقش مع المندوبين الطريقة التي يعمل بها الديوان على تعزيز كفاءة المراجعة المالية لدعم المدققين بمرئيّات أعمق، من خلال قاعدة معرفية للتدقيق المالي مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتعزّز القاعدة المعرفية أداء المهام وتدعم الحكم المهني وتحسّن جودة الوثائق. وقد أشار السّيد القرشي إلى أنَّ الذكاء الاصطناعي عامل تمكين، وليس بديلاً للمدققين، وإلى أنَّ جوهر المراجعة يعتمد على حكمنا المهني.

وبالمثل، أوضح المدير العام وكبير مسؤولي التكنولوجيا في الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في الهند ب. ك. موهانتي كيف يدعم الذكاء الاصطناعي عمليات تدقيق الأداء. وفي دراسة حالة لعملية تدقيق بيئي تعذّر فيها الوصول إلى مواقع المزروعات، قامت نماذج الذكاء الاصطناعي بتحليل صور الأقمار الصناعية لتقدير ارتفاع الأشجار، وتحديد الأنواع، وقياس كثافة المظلة، وفحص أنماط الصرف. وبذلك بات ما كان يتطلّب حضوراً ماديّاً ممكناً من خلال تحليلات الصور والتعلّم الآلي.
كما جرى اعتماد الذكاء الاصطناعي لتقييم المخاطر في مجال المشتريات، عبر تحديد أنماط مثل الإلغاء المتكرّر للمناقصات، وعناوين بروتوكول الإنترنت الشّائعة بين مقدمي العروض، وعلاقات الشّبكة التي تشير إلى تواطؤ محتمل. ولم يحلّ الذكاء الاصطناعي، في هذه الحالات، محلّ أدلّة التدقيق، بل وسّع نطاقها.

مراجعة الذكاء الاصطناعي نفسه
إذا كان الذكاء الاصطناعي يعمل على تحويل الحكومة، فيتعيّن على المدققين أن يدقّقوا في الذكاء الاصطناعي. وقدّم كبير علماء البيانات في المكتب الوطني للتدقيق في النرويج يان رور بيكستروم وجهة نظر أساسيّة مفادها أنَّ الذكاء الاصطناعي ليس سحراً. فهو نظام تكنولوجيا معلومات، والتدقيق في نظم تكنولوجيا المعلومات هو مجال مألوف أصلاً.
وتطرّق يان رور بيكستروم الذي مثّل المكتب الوطني للتدقيق في النرويج، وتولّى وظيفة نائب رئيس الموضوع الفني الثاني إلى عملية تدقيق نرويجية حديثة خلصت إلى أنَّه لم يتم بعد تحقيق الشّروط المسبقة لاعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في الحكومة المركزيّة. ولا تزال الأطر الأخلاقية ومبادئ الاستخدام المسؤول قيد التطوير.

وطرح بيكستروم أسئلة أساسية يتعيّن على المدققين طرحها:
- لماذا جرى إدخال الذكاء الاصطناعي؟
- هل كانت الفرضيّات معقولة؟
- هل النظام شفّاف وقابل للتّفسير؟
- هل تمّت معالجة التحيّز؟
بهدف دعم المدققين على مستوى العالم، تعاونت الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة في ألمانيا والمملكة المتحدة والبرازيل وهولندا وفنلندا والنرويج في إعداد دليل عملي للتدقيق في خوارزميات التعلّم الآلي، يمكن الاطّلاع عليه على الموقع auditingalgorithms.net. وكانت الرسالة واضحة وهي أنَّ الإشراف على الذكاء الاصطناعي يتطلّب معايير مشتركة ومواءمة دولية.
مسار كينيا المنظّم نحو تكامل الذكاء الاصطناعي
عرضت المدققة العامة في كينيا نانسي جاثونغو للرحلة الملهمة التي قام بها مكتب المدقق العام الكيني على مسار جريء وإنّما منظّم. فمن خلال وحدة ضمان النظام وتحليل البيانات فيه، أنشأ قواعد بيانات قوية وهياكل تقنية آمنة، بما يتماشى مع قوانين حماية البيانات والجرائم الإلكترونية في كينيا.
ويراجع المكتب في الوقت الراهن البيانات المالية التي قدّمتها أكثر من 9,000 جهة. ويجري تنفيذ المهام التي كانت تستغرق في السابق ما بين 30 دقيقة وعدّة أيام خلال ثلاث إلى خمس ثوان.
غير أنَّ المدققة العامة جاثونغو أكّدت على مبدأ حاسم ألا وهو الاستثمار حصراً في الذكاء الاصطناعي والتطورات التكنولوجية التي سيجري استخدامها بالفعل. ويجب أن يكون الاعتماد على مراحل، وأن يستند إلى السّياق، وأن يكون شاملاً. وقد يعتمد المدققون الشباب الابتكار، ولكنّ المحترفين أصحاب الخبرة يشدّدون على الحكمة المؤسسية. ويكمن النجاح في الجمع بين الاثنين. كما ذكرت أنَّ الذكاء الاصطناعي موجود في سلسلة متّصلة. ففي إمكان الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة أن تبدأ على نطاق صغير، وأن تتعلّم وتتوسّع.

التحديات في الأفق
تولّى توجيه النقاشات الفنية بلغات متعدّدة مديرو جلسات من العديد من الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة هي الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة الألماني [الإنكليزية]، والديوان العام للمحاسبة السعودي [العربية]، وديوان المحاسبة الفرنسي [الفرنسية]، ومحكمة المدققين الأسبانية [الأسبانية]. ولخّص المقرّر العام للموضوع الثاني، وهو المكتب الوطني للتدقيق في المملكة المتحدة، هذه الوقائع أمام الجمعية العامة للإنتوساي.

وأدرك مندوبو الإنكوساي أنَّ المسار إلى اعتماد الذكاء الاصطناعي الفعّال لا يخلو من تحديات كبيرة. ومن المخاوف الأكثر إلحاحاً مشكلة “الصندوق الأسود”، حيث يصعب تفسير الأعمال الداخلية لنماذج الذكاء الاصطناعي المعقّدة. وتواجه العديد من المؤسّسات نظم تكنولوجيا معلومات قديمة لا تتوافق مع حلول الذكاء الاصطناعي الحديثة، في حين تبقى البيانات المهمّة غالباً معزولة. وتضيف اعتبارات الخصوصيّة والامتثال القانوني مستويات إضافية من التعقيد، إلى جانب التكاليف الأولية الكبيرة المطلوبة لتنفيذ التقنيات المتقدمة. ويمكن أن تؤدّي المقاومة المؤسّسية والثّغرات في المهارات والقدرات إلى إعاقة التقدم بشكل أكبر.
وستتطلّب معالجة هذه التحديات مزيجاً من التدابير الفنية والتنظيمية والإدارية: مستودعات بيانات آمنة وحسنة التنظيم، وأطر واضحة لإدارة دورة صلاحية الأدلّة الرقمية، وتدريب مستهدف لبناء معرفة الخوارزميات، وسياسات قويّة لمنع التمييز والتحيّز. وفي المقام الأول من الأهمية، أكّد المندوبون على ضرورة بقاء الثقة مركزية – سواء ضمن الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة أو بين المدققين والمواطنين الذين تقدّم الخدمات لهم.

تقاطع بين الممارسة الرّاسخة والابتكار
مع اقتراب مؤتمر الإنتوساي من نهايته، عادت النقاشات إلى الاعتبارات الأساسية، فأقرّت بالتقارب بين الابتكار التقني والتغيّرات التحولية في التدقيق. وشدّد المندوبون على أهميّة الموازنة بين الخبرات البشرية والقدرات التكنولوجية.
ويوفّر الذكاء الاصطناعي للمدققين القدرة على تحليل مجموعات البيانات الكاملة بدلاً من الاعتماد على العيّنات. فهو يسمح برصد المعاملات في الوقت الفعلي، ويعزّز الكشف عن الاحتيال، ويدعم عمليات التدقيق الجغرافية المكانية والبيئية، ويسهّل المراجعة المؤتمتة للمستندات، ويحسّن عمليات تقييم المخاطر. ومن خلال إعفاء المدققين من المهام المتكرّرة، يسمح لهم الذكاء الاصطناعي بتركيز خبراتهم على العمل المعقّد الذي يحتّم إصدار أحكام مكثّفة والعالي القيمة.

غير أنّ الذكاء الاصطناعي وحده لا يستطيع أن يضمن المساءلة. فهو عاجز عن التمسَّك بالمعايير الأخلاقية، أو ممارسة الشّكوك المهنية، أو الحلول مكان الحكم البشري. وتبقى هذه المسؤوليات من اختصاص المدققين.
وفي إطار عمل الإنتوساي، وبالاسترشاد بالمعايير والقيم المشتركة، لا تدمج الأجهزة الرقابية الذكاء الاصطناعي في عملها فحسب، بل تعمل أيضاً على صياغة تطبيقها المسؤول والأخلاقي في الحكومة.
وعندما يتمّ اعتماد الذكاء الاصطناعي بدقّة وتعاون وتعقّل، يمكن أن يعمل على تعزيز الشفافيّة، ودعم الحوكمة، وتقوية الثقة العامة التي يقوم عليها كل جهاز. ولا يكمن مستقبل التدقيق في الاختيار بين الحكم البشري والآلات، بل في تعزيز الخبرة البشرية من خلال التطبيق المسؤول والذّكي للتكنولوجيا.