مقاربة البنك الدولي بشأن استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة من خلال مؤشر الاستقلالية

المصدر: البنك الدولي

من إعداد: منى الشّامي، كبيرة الأخصائيين في مجال الحوكمة، البنك الدولي

المقدمة

تشكّل الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة حجر الزّاوية في الإدارة المالية العامة والحوكمة الرشيدة. وتعتبر القدرة على العمل بشكل مستقل ضرورية لتحقيق الشفافيّة والمساءلة وحسن استخدام الموارد العامة. ويرى البنك الدولي أنَّ استقلالية الأجهزة ليست مجرّد طموح قانوني أو فني، بل إنّها تشكّل أيضاً ضرورة تنموية. وتقضي مهمّة الأجهزة ببناء الثقة في العموم، ومساءلة الحكومات، والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية الوطنية، لاسيما هدف التنمية المستدامة رقم 16 بشأن السلام والعدل والمؤسّسات القوية (الأمم المتحدة، 2015). غير أنّها لا تستطيع أن تفعل هذه الأشياء إن لم تكن مستقلة تماماً.

ينظر هذا المقال في أصول مؤشر استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة وهيكله، ويسلّط الضوء على الاتّجاهات والمرئيات الرئيسية من التقارير الأخيرة، ويناقش الآثار المترتّبة على الأجهزة ومجتمع المانحين. كما يتطرّق إلى التطوّرات والمرئيات الجديدة المهمّة من التقارير الأخيرة، وينظر في فرص التعاون والتحسين المستمر في إطار السّعي إلى أجهزة أكثر قوة واستقلالية في مختلف أنحاء العالم.

أصول مؤشر استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة

جرى تطوير مؤشر استقلالية الأجهزة استجابةً لاعتراف متنامٍ في أوساط مجتمع المساءلة الدولي بأنَّ استقلالية الأجهزة هي على السواء ضرورية ولا تتحقّق على نحو متساوٍ في مختلف البلدان والمناطق. ورغم التزام العديد من البلدان رسمياً باستقلالية الأجهزة، لم يكن هناك ما يكفي من البيانات المنتظمة القابلة للمقارنة لمعرفة مستوى الاستقلالية الفعلي وتتبّع التقدّم مع مرور الوقت.

واستكمل مؤشر استقلالية الأجهزة المعايير الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، وأداة إطار قياس أداء الأجهزة للإنتوساي، وغير ذلك من الأدوات والنُهج القائمة لتقديم مرئيات بشأن استقلالية الأجهزة. وكان من المفترض استخدامه لإرشاد فرقاء عمل البنك الدولي وشركاء التنمية وإعدادهم بشكل أفضل لدعم تقوية الأجهزة في البلدان المعنية والمساعدة في تركيز التعاون القائم بين الإنتوساي ووكالات التنمية لمعالجة قضية استقلالية الأجهزة العسيرة. وتولى تطوير هذا المؤشر فريق من خبراء الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة في البنك الدولي، وقام بمراجعته خبراء من مبادرة الإنتوساي للتنمية، ومكتب المساءلة الحكومية الأمريكي، وديوان المحاسبة الفرنسي، وجهاز التدقيق في غانا، والصندوق العالمي، ومكتب الخارجية والكومنولث والتنمية في المملكة المتحدة.

هيكل مؤشر استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة

يتضمّن مؤشر استقلالية الأجهزة 10 مؤشرات تستند إلى معايير وممارسات دولية وتعكس الطبيعة المتعددة الأوجه لاستقلالية الأجهزة. ويجري تجميع هذه المؤشرات استناداً إلى الأبعاد المهمّة التالية:

الإطار القانوني: إلى أي مدى تحمي دساتير البلدان وقوانينها استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة؟

الاستقلالية المالية: قدرة الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة على التعامل مع أموالها الخاصة وتخصيص الموارد في المكان المناسب حسب الحاجة.

الاستقلالية في التوظيف: صلاحيّة توظيف العمال المؤهّلين والاحتفاظ بهم وإدارتهم من دون الكثير من المساعدة من مصادر خارجية.

الاستقلالية التشغيلية: حرية تحديد أولويات التدقيق ومنهجياته وممارسات الإبلاغ.

الوصول إلى المعلومات: الحق في الوصول إلى جميع السّجلات والمعلومات اللازمة لإتمام عمليات التدقيق بشكل جيّد.

الإبلاغ والمتابعة: القدرة على الإبلاغ عن النتائج علناً وضمان تنفيذ التوصيات.

تجمع منهجية المؤشر بين التوثيق والحكم المهني، مع مبرّرات مكتوبة لكل علامة. وتعكس العلامة النهائية (0-10) مستوى استقلالية الأجهزة. ويسمح هذا النهج بفهم دقيق للعوامل النظامية وغير النظامية التي تؤثّر في استقلالية الأجهزة في الأوضاع الفعلية.

الاتجاهات والمرئيات

الأنماط الإقليمية والعالمية

كشف المؤشر الأول ضمن مؤشر استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة الذي صدر في عام 2021 عن فوارق كبيرة في استقلالية الأجهزة بين المناطق والبلدان. وقد بلغ بَلَدان فقط أعلى مستوى من الاستقلالية، مما يظهر التحديات المتبقّية. وشملت بعض النتائج الرئيسية ما يلي:

نقاط الضعف في الاستقلالية المالية والاستقلالية في التوظيف: تفتقر العديد من الأجهزة إلى السّيطرة على موازناتها وتواجه قيوداً في استخدام الموظفين المهرة واستبقائهم. وتقوّض هذه القيود قدرتها على إتمام عمليات تدقيق فعّالة والاستجابة للمخاطر الناشئة.

الاختلافات في الاستقلالية عبر المناطق: سجّلت بعض المناطق، مثل جنوب آسيا، علامات أعلى نسبياً، وخصوصاً في الاستقلالية التشغيلية ونطاق التدقيق، في حين سجّلت مناطق مثل إفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط مستويات أقل من الاستقلالية، وخصوصاً في أطر الاستقلالية المالية والقانونية.

تأثير الجهات المانحة في تعزيز الاستقلالية: أكّدت النتائج أنَّ الأجهزة التي تتلقّى دعماً مستداماً من الجهات المانحة قد أظهرت تحسناً أكبر في أطرها القانونية، وقدراتها في مجال التدقيق، واستقلاليتها التشغيلية.

أكّد المؤشر الثاني ضمن مؤشر استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة الذي استُكمِل في عام 2023، على أنّه رغم التقدّم الذي تم إحرازه – وخصوصاً في مجال الشفافيّة والاستقلالية التشغيلية – لا تزال هناك تحديات قائمة. وتستمر القيود المالية وتلك المتعلّقة بالموظفين في إعاقة قدرة العديد من الأجهزة على العمل بشكل مستقل. وتشكّل الضغوط السياسية، والقيود المفروضة على الموارد، والثّغرات في الأطر القانونية موضوعات متكرّرة في البلدان حيث تكون استقلالية الأجهزة أضعف.

التحسينات والتحديات الملحوظة

أظهر مؤشر استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة عدداً من الاتّجاهات الإيجابية، مثل:

الحماية القانونية الأقوى: في العديد من البلدان، أُجريت تغييرات قانونية لتقوية الوعود الحكومية باستقلالية الأجهزة، والتي غالباً ما تصبح ممكنة بفضل المساعدة الفنية من الجهات المانحة.

المساءلة الأفضل: يزداد عدد الأجهزة التي تتوجّه إلى العموم وتشارك نتائجها، الأمر الذي يعمل على إيجاد ثقافة مساءلة.

الممارسات التشغيلية المحسّنة: بفضل البرامج التي تبني القدرات، يمكن أن تستخدم الأجهزة أساليب تدقيق حديثة ومعايير دولية.

غير أنَّ التحديات لا تزال قائمة. وفي العديد من السّياقات، تبقى الفجوة كبيرة بين الاستقلالية النظامية والممارسة الفعلية. ومن شأن المعايير غير النظامية، والديناميكيات السياسية، والموارد المحدودة أن تقوّض حتّى أفضل الأطر القانونية تصميماً.

الآثار المترتبة على الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة

إرشاد الإصلاح والحوار بشأن السياسات

بات مؤشر استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة أداة قيّمة للأجهزة، وصانعي القرار، وشركاء التنمية. ومن خلال تقديم تقييم واضح قائم على الأدلّة لاستقلالية الأجهزة، يعمل المؤشر على إرشاد جهود الإصلاح والحوار بشأن السياسات على المستويين الوطني والدولي.

وبالنسبة إلى الأجهزة، يشكّل المؤشر معياراً مرجعيّاً للتقييم الذاتي والتخطيط الاستراتيجي. فهو يساهم في تحديد مواطن القوة والضعف، وتصنيف الإصلاحات تبعاً لأولويتها، وتتبّع التقدّم مع مرور الوقت. وبالنسبة إلى الحكومات والمشرّعين، يسلّط المؤشر الضوء على أهمية وضع وإنفاذ تدابير حماية قانونية لاستقلالية الأجهزة.

حالات الاستخدام في التقييمات على المستوى القُطري وتنسيق الجهات المانحة

يستخدم شركاء التنمية، بمن فيهم البنك الدولي، مؤشر استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة للاسترشاد به في تصميم مشاريع الإدارة المالية العامة وتنفيذها. ويساعد المؤشر الجهات المانحة على توجيه دعمها إلى المناطق الأكثر احتياجاً له، وتنسيق الجهود مع الشركاء الآخرين، ورصد تأثير تدخّلاتهم.

على سبيل المثال، كثيراً ما تشتمل مشاريع الإدارة المالية العامة للبنك الدولي على مكوّنات تهدف إلى تعزيز استقلالية الأجهزة، مثل دعم الإصلاحات القانونية، وتقديم المساعدة الفنية، وبناء القدرات المؤسّسية. ويوفّر المؤشر إطاراً لقياس فعاليّة هذه التدخّلات وضمان مساهمتها في التحسينات المستدامة لاستقلالية الأجهزة.

الجهود الأوسع نطاقاً للجهات المانحة في دعم استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة

يلتزم البنك الدولي والجهات المانحة الأخرى بدعم استقلالية الأجهزة من خلال مجموعة متنوّعة من الآليات والشراكات:

التعزيز المؤسّسي: يحتاج العديد من الأجهزة إلى الموارد المالية والفنية على السّواء لنيل مقدار أكبر من الاستقلالية. وكثيراً ما تركّز المشاريع التي تموّلها الجهات المانحة على تنمية القدرات المؤسّسية للأجهزة، بما في ذلك الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية والتدريب.

المساعدة الفنية والإصلاحات القانونية: أدّت الجهات المانحة دوراً رئيسياً في مساعدة الأجهزة في صياغة التشريعات التي تدعم الاستقلالية.

المناصرة العالمية: طالما كان التعاون والمناصرة من جانب شركاء التنمية مؤثّرَين. فقد ساهما في ترسيخ مبدأ الاستقلالية في الأطر العالمية مثل أجندة عمل أديس أبابا لتمويل التنمية (الأمم المتحدة، 2015؛ والإنتوساي، 2007).

التطلّع إلى المستقبل: المشروع العالمي بشأن استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة

رغم التقدّم الكبير الذي تمّ إحرازه، لا تزال الرحلة نحو الاستقلالية الكاملة للأجهزة مستمرّة. ولا تزال الضغوط السياسية، والقيود المفروضة على الموارد، والحواجز غير النظامية تشكّل تحديات كبيرة. ويدرك البنك الدولي أنَّ تحقيق الاستقلالية الحقيقية مسعى طويل الأجل يتطلّب التزاماً مستداماً من جميع أصحاب المصلحة.

والواقع أنًّ المشروع العالمي بشأن استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسب، بقيادة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومبادرة الإنتوساي للتنمية، ومكتب المساءلة الحكومية الأمريكي، يشكّل مرحلة جديدة في دعم الجهات المانحة. ولا تهدف هذه المبادرة إلى استكشاف الجوانب القانونية والنظامية للاستقلالية فحسب، بل أيضاً العوامل غير النظامية – مثل المعايير والتقاليد والعلاقات مع أصحاب المصلحة الحكوميين الرئيسيين – التي تؤثّر في فعاليّة الأجهزة. ومن خلال معالجة قواعد اللعبة المكتوبة وغير المكتوبة، يسعى المشروع إلى دفع التغيير الهادف والدائم. وثمة فرصة متاحة لترقية منهجية مؤشر استقلالية الأجهزة استناداً إلى نتائج المشروع العالمي.

الخلاصة

تشكّل استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة جزءاً لا يتجزّأ من الحوكمة الرشيدة، والنمو المستدام، والإدارة الفعّالة للأموال العامة. وزوّد مؤشر استقلالية الأجهزة الأسرة الدولية بأداة لتقييم الاستقلالية ومقارنتها وتعزيزها في مختلف أنحاء العالم. وستتمّ ترقيتها لتحسين تغطيتها ودقّتها وقدرتها على الاستجابة لحقائق الحوكمة المتطوّرة. ويلتزم البنك الدولي وشركاء التنمية بمساعدة الأجهزة في نيل الاستقلالية التي تحتاجها لخدمة المصلحة العامة والمساهمة في بناء عالم أكثر شفافيّة وخضوعاً للمساءلة وازدهاراً.

الدعوة إلى العمل

ندعو الجميع في مجتمع الإنتوساي إلى العمل معنا لندفع قدماً قضية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة المستقلة والفعّالة والموثوقة في جميع أنحاء العالم.


المراجع

Back To Top