تنظيم التشريع: كيف مارست محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية استقلاليتها في مواجهة تحدّيات الذكاء الاصطناعي في القطاع العام البرازيلي

المصدر: Adobe Stock Images، peshkova

من إعداد: دييغو فارياس، وكلاوس نوغيرا، وبيدرو كوتينيو فيلهو، وثاشيو سكاندارولي، مدققون في وحدة التدقيق المتخصّصة في تكنولوجيا المعلومات التابعة لمحكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية

1. المقدمة: مفترق طرق الابتكار والاستقلالية

أدّى التوسّع السّريع للذكاء الاصطناعي في القطاع العام إلى رسم حدود جديدة للرقابة للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة. وفي خضمّ الوعود بزيادة الكفاءة والمخاطر الكبيرة التي تهدّد الأخلاقيّات والشفافيّة والمساءلة، يتطلّب الدور الذي تؤدّيه الأجهزة تمييزاً فنيّاً واستقلاليّة مؤسّسية.

واضّطلعت محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية بدور قيادي عملي في هذا السياق. وبعيداً عن تطبيق الذكاء الاصطناعي في عملياتها الخاصّة، أثّرت المحكمة بشكل فعّال على منظومة القطاع العام من خلال مشاركة شفرة المصدر لأدواتها مع مؤسّسات أخرى. ومن الأمثلة على ذلك ChatTCU، وهي أداة دعم توليديّة قائمة على الذكاء الاصطناعي، تمّت إتاحة شفرتها للعموم للسّماح لوكالات أخرى بتطوير تطبيقات مخصّصة.

وتمتدّ قيادة المحكمة أيضاً إلى المجال التنظيمي. ففي عام 2024، قدّمت المحكمة الملخّص التنفيذي “مخاطر تنظيم الذكاء الاصطناعي في البرازيل” إلى الكونغرس الوطني، محذّرة من الآثار السّلبية المحتملة للتنظيم الرديء المعايرة، داعيةً إلى تبنّي نهج متوازن وسليم تقنياً. وجرى تعميم المنشور على نطاق واسع وقد ساهم في ترسيخ دور المحكمة كصوتٍ مستقلٍ وموثوقٍ في إدارة التقنيات الناشئة.

وتشمل هذه القيادة أيضاً تكنولوجيات ناشئة أخرى. ونشرت المحكمة ملخّصاً تنفيذياً بشأن سلسلة الكتل (بلوك تشين) لتقييم كلّ من المخاطر والإمكانات في القطاع العام. وتوضح هذه المنشورات، إلى جانب الإجراءات الملموسة لتبادل المعرفة والتكنولوجيا، كيف تمارس المحكمة استقلاليتها بشكل بنّاء، وتقدّم حلولاً تقنية حتّى في البيئات التنظيمية التي تعتريها الشّكوك.

ويعرض هذا المقال تجربة محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية كمثال على أنَّ الاستقلالية ليست حصراً مقاومة للضّغوط الخارجية، بل أيضاً قدرة على العمل باستقلالية، واتّساق تقني، وشعور بالمسؤولية العامة في مواجهة التحدّيات التكنولوجية.

2. محكمة الحسابات الفيدرالية كقائد فني: استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام ونشره

برزت محكمة الحسابات الفيدرالية كمرجع وطني ودولي في استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز أنشطة التدقيق والرقابة. ومنذ إطلاق ChatTCU في مارس/آذار 2023، تمّ اعتماد الأداة على نطاق واسع داخلياًً، لمساعدة المدققين والموظفين في تحسين العمليات والكفاءة. وبحلول مايو/أيار 2025، كان لدى ChatTCU أكثر من 2,700 مستخدم نشط، يمثّلون حوالي 90% من القوى العاملة في المحكمة.

وبعيداً عن الاستخدام الداخلي، اعتمدت المحكمة نهجاً تعاونياً من خلال مشاركة شفرة مصدر ChatTCU مع مؤسّسات عامة أخرى. واعتباراً من منتصف عام 2025، وقّعت 136 مؤسّسة – بما في ذلك وكالات عامة، وهيئات تنظيمية، ومجالس مهنية، وجامعات، ودواوين تدقيق – اتّفاقيات لتبنّي هذه التكنولوجيا. كما أدّت المبادرة إلى إبرام اتّفاق رسمي لنقل التكنولوجيا مع الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في هندوراس ومكتب المراقب العام في شيلي.

ويعكس هذا التزام محكمة الحسابات الفيدرالية بالابتكار ودورها كمحفّز للتحوّل الرقمي في القطاع العام. ومن خلال تمكين الوصول على نطاق واسع إلى أسس ChatTCU، تعمل المحكمة على تعزيز قيادتها الفنية وروحها التعاونية.

ويعزّز الاعتراف الدولي بالمحكمة موقفها. ففي إبريل/نيسان 2024، اعترفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالمحكمة باعتبارها الجهة الحكومية الوحيدة التي بلغت مرحلة متقدّمة في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، مستشهدة بـChatTCU كنموذج للابتكار والكفاءة.

وفي عام 2025، تمّ إدراج رينيريو لايت، سكرتير الرقابة على تكنولوجيا المعلومات والتطوّر الرقمي في المحكمة، في قائمة أقوى 100 شخص نفوذاً في العالم في مجال الذكاء الاصطناعي المطبّق على القطاع العام. ويؤكّد هذا الاعتراف على ريادة المحكمة في الموازنة بين الإبداع والأخلاقيات والرقابة الفعّالة على القطاع العام. ويستند نهجها إلى مبادئ أخلاقيات الخوارزميات، والشفافيّة، والمساءلة، والتي توجّه كل من التطوير الداخلي والتقييم الخارجي لأدوات الذكاء الاصطناعي.

3. سلسلة الكتل (بلوك تشين) وتوسيع الدور التنظيمي لمحكمة الحسابات الفيدرالية

يتجلّى موقف المحكمة المبتكر والمستقل أيضاً في اعتمادها تقنيات ناشئة أخرى، على غرار بلوك تشين. وفي عام 2020، أصدرت المحكمة الملخّص التنفيذي “نشر تكنولوجيا بلوك تشين” الذي يوفّر إطاراً لتوجيه المؤسّسات العامة في تطوير مشاريع بلوك تشين، استناداً إلى الخبرة الوطنية والدولية.

وشدّد المنشور على أنَّ تبنّي بلوك تشين يجب أن يتّبع تقييم جدوى، مدعوماً بتحليل للتكاليف والفوائد، ومواءمة المشكلات، وهياكل الحوكمة القوية. كما حذّر من مخاطر الاستثمار العام غير الفعّال إذا جرى تبنّي بلوك تشين لمجرّد حداثتها، من دون مبرّر تقني قوي.

ومن المخاطر الرئيسية التي تمّ تسليط الضوء عليها الافتقار إلى إطار قانوني موحّد، وهو ما قد يؤدّي إلى عدم يقين قانوني، وتفسيرات متباينة، وسوء تخصيص للأموال العامة. وتوصي الوثيقة بتكييف استخدام بلوك تشين على أساس قيمة عامة يمكن إثباتها والتخطيط الدقيق لمتطلّبات التشغيل البيني والأمن والاستدامة.

كما أكّدت المحكمة على أنَّ بلوك تشين ليست حلّاً عالمياً. وتعتمد قابلية تطبيقها على ظروف محدّدة، مثل الحاجة إلى سجلّات غير قابلة للتغيير وثقة لامركزية.

ومن الجدير بالذّكر أنَّ التقرير توقّع الدور المحتمل للحكومة الفيدرالية كمزوّد للبنية التحتية العامة لحلول بلوك تشين. وتجسّدت هذه الرؤية في أبريل/نيسان 2022 مع إنشاء شبكة بلوك تشين البرازيلية (RBB)، التي جرى تنسيقها بواسطة خدمة معالجة البيانات الفيدرالية (Serpro) وبنك التنمية الوطني (BNDES)، بمشاركة من مختلف الجهات الحكومية.

وتعمل هذه المبادرة الرّائدة على تعزيز الدور الذي تضطلع به محكمة الحسابات الفيدرالية كمروّج للممارسات التنظيمية السّليمة، حتّى في ظل المشهد التكنولوجي غير المؤكّد والمتطوّر، وتحدّد كيف يمكن ممارسة الاستقلالية المؤسّسية من خلال إنتاج معرفة عامة مؤهّلة.

4. منشور “مخاطر تنظيم الذكاء الاصطناعي في البرازيل” 

في إبريل/نيسان 2024، قدّمت محكمة الحسابات الفيدرالية إلى الكونغرس الوطني الملخّص التنفيذي “مخاطر تنظيم الذكاء الاصطناعي في البرازيل”، وهي وثيقة فنية أُعِدَّت لدعم النقاش التشريعي بشأن هذا الموضوع من خلال عرض ومناقشة المخاطر التنظيمية الرئيسية وتأثيراتها المحتملة على الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في البرازيل.

وحدّد المنشور تسعة مخاطر رئيسية يمكن تجميعها في أربع فئات:

  1. تقييد الإبداع والتحول الرقمي – بما في ذلك تثبيط الإبداع، والتأخير في التنفيذ، وتقييد قدرة الدولة على التحوّل الرقمي.
  2. تركيز السّوق واستبعاد الجهات الفاعلة الصغيرة – يشمل الحواجز التي تعوق الشّركات الناشئة، والمزايا التنظيمية التي تتمتّع بها الاحتكارات أو احتكار القلّة، والتحديات التي تواجه الاحتفاظ بمواهب الذكاء الاصطناعي.
  3. التنظيمات الرديئة المعايرة وعدم اليقين القانوني – بما في ذلك النماذج التنظيمية العتيقة أو غير الفعّالة، والتعريفات القانونية العامة التي تؤثّر في مجالات غير ذات صلة، والقواعد غير المتوافقة مع حقائق الذكاء الاصطناعي (مثل قانون حقوق الطبع والنشر).
  4. عدم التوافق المؤسّسي والدولي – يتضمّن الصّراع بين الهيئات التنظيمية، والافتقار إلى القدرات الفنية بين الهيئات التنظيمية، وعدم التوافق مع أفضل الممارسات الدولية.

وباستخدام لغة واضحة وسهلة المنال، مصحوبة برسم بياني توضيحي، ساعد منشور محكمة الحسابات الفيدرالية في رفع مستوى الوعي بالمخاطر التي تفرضها التنظيمات الرديئة التصميم. ولم يقترح قواعد جديدة، بل قدّم تنبيهاً فنياً ومساهمة مؤسّسية في الحوكمة العامة. وقد أكّد نشره في سياق حسّاس سياسياً على دور المحكمة كمؤسّسة محايدة وإنّما استباقيّة.

5. المعضلات القائمة: بين الإبداع والضّغوط الخارجية

أدّت مبادرات الذكاء الاصطناعي التي أطلقتها محكمة الحسابات الفيدرالية إلى وضوح وثناءً وكذلك إلى تحدّيات مؤسّسية كبيرة. وقد لقي هذا المنشور عن المخاطر التنظيمية للذكاء الاصطناعي ترحيباً من القطاعات الفنية، ولكنّه أثار ردود فعل متباينة من جانب المشرّعين والمسؤولين التنفيذيين الذين دعوا إلى تنظيم أكثر صرامة أو مركزية.

وفي هذا السياق، كان لزاماً على المحكمة أن توازن بين موقف استباقي وضرورة الحفاظ على الحياد الفني. ومن خلال الدعوة إلى اتّباع نهج تنظيمي حكيم قائم على الأدلّة، نجحت المحكمة في تخفيف المخاطر المتعلّقة بالسّمعة وتجنّب تصوّر التحيّز السياسي.

وعلى الصّعيد الداخلي، تطلّب نشر أدوات مثل ChatTCU أيضاً الحذر لتجنّب تصورات الترويج الذّاتي أو الاعتماد غير المبرّر على التكنولوجيا بدلاً من الأساليب التقليدية. وقد عالجت المحكمة هذه المخاطر من خلال إصدار شفرة المصدر، واستضافة النقاشات العامة، وإتاحة استراتيجياتها لنقد الخبراء والنقد الدولي.

وتوضح هذه المعضلات أنَّ الاستقلالية ليست مجرّد مفهوم قانوني أو رسمي، بل هي ممارسة مستمرّة للحوكمة المؤسّسية، خصوصاً عندما تنطوي تحدّيات الابتكار على توقّعات ثابتة.

6. المسارات المستقبلية: الاستقلالية كأصل تنظيمي

تشير خبرة محكمة الحسابات الفيدرالية في مجال الذكاء الاصطناعي إلى دروس قيّمة لأجهزة عليا أخرى للرقابة المالية والمحاسبة تواجه تحدّيات مماثلة في ظل التغيير التنظيمي والتكنولوجي.

فأولاً، يتطلّب العمل في بيئات تنظيمية ناشئة مزيجاً من المعرفة الفنية، والتوقيت الاستراتيجي، والحصافة المؤسّسية. وتظهر قيادة المحكمة في إنتاج التوجيهات – مثل الملخّص التنفيذي لتنظيم الذكاء الاصطناعي – أنّه من الممكن التأثير على السياسة العامة مع الحفاظ على الحياد والصدقيّة المؤسّسية.

وثمّة ممارسة أخرى قابلة للتكرار هي شفافيّة الخوارزميات. فمن خلال إطلاق شفرة مصدر ChatTCU ودعم تكييفها من جانب مؤسّسات أخرى، تعمل المحكمة على تعزيز ثقافة التعاون مع تجنّب الاحتكارات التكنولوجية. ويدلّ هذا على أنَّ الاستقلالية هي الاستقلالية اللازمة للقيادة بمسؤولية، وليس التصرّف بشكل منعزل.

وأخيراً، يعزّز الإصغاء النشط إلى المجتمع المدني والحوار مع الخبراء والجامعات والمنظمات الدولية شرعية إجراءات الرقابة. وتؤكّد هذه الاستراتيجيات على قيمة الاستقلالية باعتبارها أصلاً تنظيمياً – وهو ليس شرطاً ضرورياً حتّى تتمكّن الأجهزة من الإشراف على أكثر التحدّيات العامة تعقيداً فحسب، بل أيضاً للمساهمة في إيجاد الحلول لها.

7. الخلاصة

تثبت تجربة محكمة الحسابات الفيدرالية الأخيرة أنَّ الاستقلالية المؤسّسية لا تقتصر على مقاومة التدخّل الخارجي فحسب، بل تتناول أيضاً القيادة الفنية، والمساهمة في السياسة العامة، والعمل باتّساق بين الخطاب والممارسة.

ومن خلال الجمع بين الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي والموقف النقدي والتعاوني في التعامل مع التشريعات الناشئة، أكّدت المحكمة من جديد على استقلاليتها الوظيفية والتزامها بالمصلحة العامة. وتعبّر منشوراتها وتحليلاتها الفنية بشأن تنظيم الذكاء الاصطناعي وتبنّي بلوك تشين في الإدارة العامة بشكل ملموس عن الاستقلالية التي تتطلّع إلى الخارج، بالاستفادة من المنظومة العامة الأوسع نطاقاً.

وتوضح حالة محكمة الحسابات الفيدرالية أنَّ القيادة في المجالات الحسّاسة، عند ممارستها بحكمة وشفافيّة وبناءً على أسس فنية، يمكن أن تعزّز شرعية الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة وتأثيرها. وفي عالم سريع التغيّر، يعتبر الحفاظ على الاستقلالية أكثر من مجرّد مقاومة، فهو الاستعداد للعمل بحكمة وشجاعة عندما يكون التقاعس مكلفاً للغاية.


المراجع

  • محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية تدعم المؤسّسات في تنفيذ أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. متوفّر على: https://portal.tcu.gov.br/imprensa/noticias/instituicoes-parceiras-recebem-suporte-tecnico-para-implementacao-do-chattcu
  • محكمة الحسابات الفيدرالية البرازيلية ومكتب المراقب العام في شيلي توقّعان اتفاقية للتعاون في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: https://portal.tcu.gov.br/imprensa/noticias/tcu-e-controladoria-geral-do-chile-firmam-acordo-para-cooperacao-em-tecnologia-e-ia
  • اعتراف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – الذكاء الاصطناعي التوليدي لمكافحة الفساد والنزاهة في الحكومة. متوفّر على: https://www.oecd.org/en/publications/generative-ai-for-anti-corruption-and-integrity-in-government_657a185a-en.html
  • Government AI 100 Award – Apolitical.  متوفّر على: https://apolitical.co/list/en/government-ai-100-2025
  • الملخّص التنفيذي – نشر تقنية بلوك تشين. متوفّر على: https://portal.tcu.gov.br/data/files/59/02/40/6E/C4854710A7AE4547E18818A8/Blockchain_sumario_executivo.pdf
  • مخاطر تنظيم الذكاء الاصطناعي في البرازيل – الملخّص التنفيذي. متوفّر على: https://portal.tcu.gov.br/publicacoes-institucionais/sumarios-executivos/riscos-da-regulacao-da-inteligencia-artificial-no-brasil
  • شبكة بلوك تشين البرازيلية. العرض المؤسّسي. متوفّر على: https://www.gov.br/rbb 
Back To Top