إنشاء المكتب الوطني للتدقيق في مالطا: حماية استقلالية الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة ملحوظة في الدستور
من إعداد: تشارلز ديغوارا، المدقق العام للمكتب الوطني للتدقيق في مالطا
تشكِّل التشريعات الدستورية والقانونية لعام 1997 محطّة حاسمة في تاريخ المكتب الوطني للتدقيق المالطي، الذي بدأ كإدارة تدقيق ضمن الخدمة العامة. وهذه المحطّة التاريخية مماثلة لتأسيس إدارة التدقيق السّابقة التي أنشأها أول حاكم بريطاني لمالطا، السير توماس ميتلاند، في عام 1814، ومنح الحماية الدستورية الأساسية لمدير التدقيق عندما باتت مالطا دولة مستقلة في عام 1964. وللاحتفال بهذه المحطة المهمة في عام 2022، قام المكتب الوطني للتدقيق في مالطا، من بين مبادرات أخرى، بإصدار كتاب علمي بعنوان “تدقيق الدولة في الأوقات الانتقالية – أفكار في شأن التغيير والاستمرارية والتحديات والفرص من مالطا وخارجها”. ويتضمّن هذا الكتاب الذي وضعه البروفيسور إدوارد وارينغتون مجموعة من الدراسات التي تنظر في الأساس في الماضي والحاضر مع التركيز على مستقبل مؤسّستنا. ويستند هذا المقال إلى مقدمة هذا الكتاب التي يمكن الوصول إليه على موقعنا الإلكتروني (State-Audit-in-Times-of-Transition).
في الواقع، ما من مبالغة في الأهمية الحاسمة التي يتّسم بها التشريع الذي وُضِعَ في يوليو/تموز 1997 بموافقة أعضاء الحكومة والمعارضة في البرلمان بالإجماع. فحتّى ذلك الحين، كانت إدارة التدقيق تخضع عموماً لرقابة وزارة المالية. ومع تعديل المادة 108 من الدستور ووضع قانون المدقق العام والمكتب الوطني للتدقيق لعام 1997، برز المكتب كمؤسّسة إشرافية مستقلة بالكامل يقودها مدقق عام ونائب مدقق عام، واللذان يتطلّب تعيينهما دائماً دعم ما لا يقلّ عن ثلثي أعضاء البرلمان. وهناك بنود أخرى مهمّة في التشريع، مثل تلك المتعلّقة بالتوظيف لصالح المكتب وتمويله، مما يعزّز الاستقلالية الكاملة للمكتب عن السلطة التنفيذية.
وبفضل هذه التعديلات المهمّة، يمتثل المكتب الوطني للتدقيق في مالطا لإعلاني ليما ومكسيكو بشأن وظائف الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة واستقلاليتها وأخلاقياتها. ومما لا شكّ فيه أنَّ وظيفة التدقيق الخارجي المستقلة بالكامل هي وحدها القادرة على ضمان تقديم تقارير يُعتمد عليها وعادلة وجديرة بالثّقة عن نتائج التدقيق وتوصياته.
وتوخّياً للإنصاف، ورغم القيود الواضحة المفروضة على استقلاليتها ومواردها، اتّبعت إدارة التدقيق السّابقة على نحو ثابت، وقدر الإمكان، سياسة إبلاغ عادل وموضوعي. وشكّلت منهجية التدقيق الأساسية وخبرة التدقيق في القطاع العام التي تراكمت على مدى مئة وخمسين عاماً نقطة انطلاق مفيدة للغاية للمكتب الوطني للتدقيق الذي أنشئ حديثاً. وأثبتت المعرفة المؤسّسية والخبرة التي اكتسبها بعض أعضاء الإدارة، وبعضهم لا يزال في الخدمة في المكتب الوطني للتدقيق، أنّها مفيدة للغاية طوال هذا التحول التدريجي الحازم. لذلك ورث مكتبنا الأخلاقيات والقيم الأساسية لسلفه، وهو ملتزم بالاستمرار في إيلائها الاهتمام بما يتماشى مع المعايير الدولية للتدقيق في القطاع العام.
ومن المسؤوليات والصلاحيات المخوّلة لمكتب المدقق العام، أشدّد على الواجب الأساسي المتمثّل في تقديم ضمان عادل وصادق وموضوعي للبرلمان، وفي نهاية المطاف لمواطنينا، أصحاب المصلحة الرئيسيين، بأنَّ الأموال العامة تُستخدم للغرض الذي نالت الموافقة على أساسه، وفقاً للقواعد واللوائح السّائدة، وبأكثر الطرق الممكنة اقتصاداً وفعالية وكفاءة (ما يُعرف بالـthree e’s باللغة الإنكليزية). ويشير مراقبو الحوكمة المعاصرة الآن إلى عنصرين إضافيين مهمّين هما “البيئة” و”الأخلاقيات”، وكلاهما باتا أوضح اليوم في أعمال التدقيق التي نقوم بها. ونحن نؤدّي هذا الواجب المضني بشكل أساسي عبر اختيار مستقل تماماً لموضوعات التدقيق التي تشكّل خطة التدقيق الخاصّة بنا لسنة معينة. ويتطلّب هذا تشاوراً داخلياً دقيقاً وعملية تمييز تسترشد بمعايير معينة، مثل الأهمية النسبية والمخاطر. وفي هذا الصدد، طوّرنا داخل مكتبنا إطاراً شاملاً لتقييم المخاطر يعتبر مفيداً للغاية في تحديد خطة التدقيق الخاصّة بنا. ومن بين عناصر أخرى، تأخذ تقييمات المخاطر هذه في الاعتبار الأهمية المالية والحساسية الاجتماعية والاقتصادية لبرامج القطاع العام وأنشطته، فضلاً عن حالة المخاوف السّابقة التي أثارها المكتب في الأعوام الأخيرة.

Tولتأدية عملنا بشكل جيّد، وبما يتّفق مع معايير التدقيق الدولية، يمنح التشريع الممكّن المدقق العام وموظفي المكتب الوطني للتدقيق صلاحية الوصول بحريّة ضمن مهل معقولة إلى مثل هذه المعلومات من المسؤولين وغيرهم من الموظفين في الإدارات أو المكاتب الحكومية، أو الجهات الخاضعة لرقابته، والتي قد يطلبونها للتنفيذ السّليم لوظائفهم وفقاً للقانون. ويحقّ للمكتب الوطني للتدقيق تلقّي التقارير والشّروحات من هؤلاء الموظفين وسواهم حسبما يرونه ضرورياً لهذه الأغراض.
علاوةً على ذلك، ووفقاً للمادة الفرعية 108(12) من الدستور، لا يخضع المدقق العام ونائبه أثناء تأدية وظائفهما لسلطة أي شخص أو رقابته. ويعكس هذا الاستقلالية الكاملة التي يتمتّع بها المكتب الوطني للتدقيق، وهو شرط لازم مطلوب لتمكينه من تأدية مهامه الدستورية بأفضل طريقة ممكنة لناحية الموضوعية والاستقلالية.
وخلال فترة ولايتي الطويلة في هذا المكتب، كنت دائماً أعتقد بشكل قاطع أنَّ موظفينا هم بلا شك الأصول الأكثر قيمة لدينا. وعليه يتعيّن علينا الاستثمار باستمرار في موظفينا المؤهلين تأهيلاً عالياً، خصوصاً من خلال توفير برامج التطوير المهني المصمّمة بشكل مناسب، لضمان امتلاكهم الأدوات المناسبة لتنفيذ أعمال التدقيق وفقاً لأعلى المعايير المهنية. ويحتاج المكتب الوطني للتدقيق إلى الأدوات المناسبة، على جميع مستويات الهيكل التنظيمي، لضمان استعدادنا على النحو الواجب لمثل هذه التحديات الجديدة الناجمة عن هذه التغييرات المعقّدة، لاسيّما تلك التي تحدث داخل القطاع العام نفسه. وهذا يعني ضمناً إدخال تعديلات وابتكارات في الطّريقة التي يدير بها القطاع العام أعماله، خصوصاً استخدام إجراءات مشتريات عامة أكثر تعقيداً والنُهُج على مستوى الحكومة ككل. ويعدّ امتلاك مثل هذه الأدوات شرطاً أساسياً لضمان تمتّع المؤسّسة الوطنية للتدقيق بالاستقلالية التشغيلية الكاملة وقدرتها على ممارستها.
وفي أوقات تحول اجتماعي واقتصادي وثقافي وتكنولوجي معقّد، تكتسب العلاقات الخارجية لأي مؤسّسة مقداراً أكبر من الأهمية، وربما لا تزيد عن علاقة المكتب الوطني للتدقيق مع قيادة الجهة الخاضعة للتدقيق، أو على وجه التحديد جهاز الخدمة العامة في مالطا. وبينما يحرص المكتب على حماية استقلاليتنا الدستورية والمهنية، فهو يسعى جاهداً إلى الحفاظ على علاقة عمل جيدة مع قيادة الجهاز، كما تلحظ بوضوح خطتنا الاستراتيجية للفترة 2024-2028، بعنوان “تعزيز تأثير التدقيق”. وأشير هنا إلى مقدّمتي لها بقولي إنّ “الالتزام بالاستقلالية من الأمور الأساسية بالنسبة إلى أخلاقيات المكتب، وضمان إتمام عمليات التدقيق بنزاهة وموضوعية، بعيداً عن التأثيرات الخارجية…”
ويتمثّل جانب آخر من الاستقلالية الكاملة للمكتب في أنّه رغم كونه أصغر مؤسّسة تدقيق وطنية ضمن الاتحاد الأوروبي، فقد بات حضورنا أكبر على الصّعيد الدولي. ونحن نشطون جداً في العديد من مجموعات العمل الدولية، مثل لجنة الاتصال التابعة للاتحاد الأوروبي (وهي شبكة نشطة تتألف من رؤساء مؤسّسات التدقيق الوطنية في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي)، وفي التدقيق البيئي للأوروساي، فضلاً عن مجموعات عمل التدقيق في تكنولوجيا المعلومات التابعة للاتحاد الأوروبي. ويكفي أن نذكر أنّنا استضفنا هذه السّنة في مالطا الاجتماع الثالث والعشرين لمجموعة عمل الإنتوساي المعنية بالتدقيق البيئي (يوليو/تموز 2025). كذلك نستعد حالياً، بالتعاون الوثيق مع ديوان مراجعي حسابات الاتحاد الأوروبي، لاستضافة لجنة الاتصال لهذه السّنة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
ويتوسّط المكتب شبكة من العلاقات المؤسّسية، لاسيما مع الجهات الخاضعة للتدقيق، ويمتدّ الحق عبر الدولة. باختصار، أعرِّف أخلاقيات هذه العلاقات بالثّقة والاحترام المتبادلين. وتعتبر القيم مترابطة. وتضمن الثقة والاحترام قبول تقارير المكتب ومهامه على النحو الواجب من قبل البرلمان، وكذلك من الجهات الخاضعة للتدقيق والعموم، والذين نسعى جاهدين لحماية مصالحهم، سيّما وأنَّ العموم الذين يدفعون الضرائب هم من يموّلون عمليات الحكومة في نهاية المطاف. وبطبيعة الحال، لا بد من اكتساب مثل هذه الثقة باستمرار، وهذا بدوره يعني أنَّ عملنا كلّه يجب أن يستند إلى القيم الأساسية المتمثّلة في الموضوعية والعدالة من دون أي تحيّز أو محاباة.
مما لا شكّ فيه أنَّ المكتب الوطني للتدقيق قد تطوّر بشكل كبير على مدى السنوات الثماني والعشرين الماضية. وفي قولي هذا، أقدّر عالياً الجهود التي بذلها أسلافي وجميع الموظفين الذين عملوا في المكتب. ويكفي القول إنَّه قبل التعديلات التشريعية في عام 1997، لم يكن يُنشر إلّا التقرير السّنوي للحسابات العامة (الذي يتألّف من التدقيق المالي للتقرير المالي للحكومة وعدد من عمليات التدقيق في الامتثال)؛ وقد جرى إصدار عدد قليل جداً من التقارير المستقلة. وفي الوقت الراهن، وبصرف النّظر عن التقريرين السنويين اللذين يركّز أحدهما على الحسابات العامة والآخر على أعمال الحكومة المحلية، ينشر المكتب الوطني للتدقيق العديد من التقارير المستقلة، مثل تقارير التدقيق في الأداء، وتقارير التدقيق في تكنولوجيا المعلومات، وتقارير إجراءات التدقيق والتحقيقات الخاصة. وفي أغلب الأحوال، يتمّ نشر هذه الأخيرة بناءً على طلب لجنة الحسابات العامة، وهي لجنة برلمانية مختارة. علاوةً على ذلك، بدأ المكتب منذ نحو عقد من الزمن في إصدار تقارير متابعة التدقيق التي تركّز على مدى تنفيذ التوصيات الرئيسية للمكتب في التقارير الصّادرة في السنوات السابقة. ومما يبعث على الارتياح أن نلاحظ أنَّه قد جرى تنفيذ الغالبية العظمى من توصياتنا أو هي في طور التنفيذ.

وأعتقد اعتقاداً راسخاً أنَّ السّبب الرئيسي لهذا التطور المهم هو عملية اختيار الموظفين الصّارمة والشفّافة والتطلعيّة التي جرى تبنّيها منذ إنشاء المكتب. وهذا جانب بالغ الأهمية من الاستقلالية الكاملة التي يتمتّع بها المكتب، وفق ما تمّت الإشارة إليه أعلاه. وأدّى ذلك تدريجياً إلى تعيين موظفين مؤهّلين مهنياً وأكفّاء في مجال المحاسبة (للتدقيق المالي والتدقيق في الامتثال) وفي مجالات أكاديمية أخرى (للأنواع الأخرى من التدقيق). إلى ذلك، عملنا بجدّ لرفع الروح المعنوية وزيادة الدّوافع لدى موظفينا، لاسيما خلال وقت مليء بالصّعوبات بالنسبة إلى المكتب، عندما لم تكن شروط المشاركة جذّابة بما يكفي وكنّا نفقد أشخاصاً جيّدين جداً من فريقنا. واليوم تراجع عدد الاستقالات من مكتبنا بشكل كبير.
وفي حين أنَّ عدد موظفينا اليوم شبيه بما كان عليه قبل عقود من الزمان، فقد شهدت مهاراتهم وخبراتهم واحترافيتهم تطوراً ملحوظاً. وهذه إحدى النتائج الرئيسية للاستقلالية التي يتمتّع بها مكتبنا.
في المحصّلة، يعتبر المكتب الوطني للتدقيق وريث إحدى أقدم المؤسّسات الحاكمة في مالطا. فهو بصفته تلك قد ورث المهمة الموكلة إلى مدقق الدولة، فضلاً عن الأخلاقيات الثابتة لسلفه، أي إدارة التدقيق. ويسعى المكتب من خلال عمله إلى ألّا يكون الحارس السّلبي لإرث ميت، بل يعمل على النقيض من ذلك على ترسيخ هذا الإرث بالتزام ونشاط استثنائيين، بهدف مساعدة الإدارة العامة في مالطا على الاضطلاع بمهمّتها المميّزة بإخلاص نحو الصّالح العام في ظل الظروف الصّعبة للقرن الحادي والعشرين. ويتمّ هذا في الأساس، من خلال التعزيز المستمر للحوكمة الرشيدة في مختلف أنحاء القطاع العام مع مراعاة الأولوية القصوى المعطاة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويجعلني هذا الالتزام الرّاسخ والنشاط على ثقة من أنَّ المكتب الوطني للتدقيق، رغم التحديات التي يواجهها، سيستمر في تنفيذ تفويضه الدستوري بأفضل طريقة ممكنة. وسيصبّ ذلك في نهاية المطاف في مصلحة المواطنين الذين يطمح إلى خدمتهم.
تشارلز ديغوارا
المدقق العام
15/9/25