مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة – المسيرة والسّبيل الممكن إلى الأمام
من إعداد: علا هوم، نائب المدير العام، حوكمة الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، مبادرة الإنتوساي للتنمية
مع احتفال مبادرة الإنتوساي للتنمية بمرور 40 عاماً على تأسيسها، حان الوقت للتفكير في محطّة رئيسية مهمّة تمثّلت في تأسيس مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة في عام 2009. فعلى مرّ السّنين، باتت هذه المبادرة منصّة مهمّة لمساعدة مجتمع الإنتوساي، بما في ذلك مبادرة الإنتوساي للتنمية، على العمل بشكل أكثر فعاليّة مع شركاء التنمية. ومع دخول استراتيجية مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة للفترة 2020-2030 مرحلتها النهائية راهناً، وفي وقت تشهد فيه مساعدات التنمية الرسمية تحوّلات كبرى، آن الأوان أيضاً للنّظر في الطريقة التي يمكن بها إعادة تموضع التعاون بحيث يصبح في الإمكان تعظيم قيمته في المستقبل.
التاريخ
أُسِّسَت مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة لمواجهة تحدٍّ عالمي طويل الأمد. فالعديد من الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، خصوصاً في البلدان النامية، تفتقر إلى القدرة والاستقلاليّة والموارد اللازمة للإشراف على الموارد المالية العامة بشكل فعّال. ورغم أنَّ الجهات المانحة دعمت الأجهزة لعقود من الزّمان، كان هذا الدعم في كثير من الأحيان مجزّأً أو مكرّراً أو غير متلائم بشكلٍ كافٍ مع احتياجات البلدان. واستجابةً لهذا الأمر، اجتمعت الإنتوساي وشركاء التنمية الرئيسيون في عام 2009 لوضع نهج أكثر تنسيقاً واستراتيجيةً لتقوية الأجهزة في مختلف أنحاء العالم.
ومن بين المحطّات الرئيسية في هذا السّياق تاريخ 20 أكتوبر/تشرين الأول 2009، عندما وقّعت الإنتوساي وخمس عشرة منظّمة مانحة على مذكرة تفاهم. وأسَّست هذه الاتفاقية مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة والتزمت بأولويات مشتركة لكلا المجتمعين:
- إطار استراتيجي مشترك لتنمية قدرات الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة
- تنسيق أفضل للدعم المقدّم من الجهات المانحة
- زيادة التمويل وتعزيز إمكان توقّعه
- تلاؤم أكبر مع مبادئ فعاليّة المساعدات الدولية
- تركيز مستمر على استقلاليّة الأجهزة والتعزيز المؤسسي في الأمد البعيد
اجتذبت مذكرة التفاهم المزيد من الموقّعين. وبمرور الوقت، توسّع مجتمع الجهات المانحة إلى ثلاث وعشرين منظّمة، بما في ذلك مصارف تنمية متعددة الأطراف، ووكالات تابعة للأمم المتحدة، وشركاء تنمية ثنائيين. وأصبحت مبادرة التعاون أوّل منصّة عالمية مكرّسة خصّيصاً لمواءمة نطاق الدعم للأجهزة وتوسيعه.
بناء أسس التعاون (2009-2018)
ركّزت مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة في سنواتها الأولى على تأسيس الهيكليات، وترتيبات الحوكمة، والأدوات العملية اللازمة لتحويل مذكرة التفاهم إلى منصّة عمل فعّالة.
وشكّلت الإنتوساي ومجتمع المانحين لجنة توجيهية لتوجيه التعاون وشاركت في رئاستها. وحدّدت اللجنة الأولويات، ورصدت التقدّم، وساهمت في ضمان التزام المجتمعَين بمبادئ مذكرة التفاهم.
الإنجازات الرئيسية
نجحت مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة في سنواتها الأولى في بناء قاعدة أدلّة أقوى لدعم الأجهزة. وتمثّلت إحدى المحطّات الرئيسية الأولى للمبادرة في إتمام عملية التقييم العالمية التي أظهرت أنَّ العديد من الأجهزة يواجه احتياجات تنمية متوسّطة إلى عالية القدرات، فيما أشارت مسوح المتابعة إلى إحراز تقدّم في التدقيق المالي وتدقيق الامتثال والأداء. وقد ساعد هذا مبادرة التعاون في تحديد الأولويات وتصميم المزيد من الدعم المستهدف.
وخلال تلك الفترة، قدّمت مبادرة التعاون أدوات وآليات دعم مهمّة، بما في ذلك إطار قياس أداء الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة وصندوق تنمية قدرات الأجهزة. في الموازاة، وجد تقييم خارجي مستقل أدلّة على تغيّر سلوكي إيجابي بين الجهات المانحة والأجهزة، وقدّم توصيات لتعزيز الأثر. وجرى دعم عمل الأمانة بمساهمات مالية من النمسا وأستراليا وأيرلندا وفرنسا والنرويج وسويسرا والمملكة المتحدة، إلى جانب الدعم العيني من جهازي البرازيل والنرويج وغيرهما.
ومع نضوج مبادرة التعاون، قدّمت أيضاً آليات جديدة لربط احتياجات الأجهزة بموارد الجهات المانحة بشكل أفضل. وكانت إحدى مبادراتها الرائدة الدعوة العالمية لتقديم المقترحات التي أُطلِقَت في عام 2015. ومكّنت هذه الآلية الأجهزة – لاسيّما تلك التي تتمتّع بقدرة محدودة على الوصول إلى دعم الجهات المانحة – من تقديم مقترحات لتنمية القدرات، والتي يمكن للجهات المانحة أن تنظر فيها في ما بعد للحصول على التمويل أو المساعدة الفنية.
وبحلول عام 2018، تلقت الدعوة العالمية لتقديم المقترحات أكثر من 100 طلب، وتمّت مطابقة نحو نصفها بنجاح مع مقدّمي الدعم. وبهدف مساعدة الأجهزة في تحديد احتياجاتها بشكل أكثر وضوحاً والمشاركة بشكل أكثر فعاليّة مع الجهات المانحة، قدّمت مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة لاحقاً نموذج دعم من مستويين.
المرحلة الحالية (2018-2026)
من خلال آليات الدعم والمبادرات ذات الصلة، ساهمت مبادرة التعاون في حشد مقدار كبير من الموارد، ففي عام 2018 وحده، سهّلت الحصول على 83 مليون دولار أميركي في هيئة دعم مُلتَزَم به على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية.
وفي عام 2018، طلبت اللجنة التوجيهية أن تدمج مبادرة الإنتوساي للتنمية وظائف مبادرة التعاون في عملياتها العادية. أما النتيجة فكانت توقّف مبادرة التعاون عن العمل كجهة منعزلة ومنفصلة تستضيفها مبادرة الإنتوساي للتنمية. وقد وافقت هذه الأخيرة على هذا الترتيب وهي منذ ذلك الحين تستمر في تأدية وظائف مبادرة التعاون.
وتزامنت تلك الفترة أيضا مع اعتماد استراتيجية 2020-2030 التي وافقت عليها اللجنة التوجيهية لمبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة في اجتماعها الثاني عشر في طوكيو في اليابان في يوليو/تموز 2019. وتحورت الاستراتيجية حول أربعة أهداف استراتيجية:
- أجهزة عليا للرقابة المالية والمحاسبة مستقلّة ومحترفة وقادرة وشفّافة وتُدار بشكل جيّد،
- تعزيز الشّراكات وزيادة الدعم للأجهزة،
- تنمية القدرات بقيادة الأجهزة،
- خطة 2030 وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وخلال تلك المرحلة، حقّقت مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة إنجازات مهمّة، من بينها:
- تعزيز العمل على استقلاليّة الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، بما في ذلك تطوير آلية المناصرة السريعة لاستقلالية الأجهزة بناءً على طلب المفوضية الأوروبية، وتعيين أول سفير نوايا حسنة لمبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة بشأن استقلاليّة الأجهزة، ودعم أداة تقييم استقلاليّة الأجهزة الخاصّة بالبنك الدولي.
- تعزيز الدعم للأجهزة من خلال مبادرات مخصّصة على غرار شراكة دعم الأقران المعجّلة والمبادرة العالمية لمساءلة الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، ومبادرة المساءلة في آسيا الوسطى، والصّندوق السعودي لتحسين أداء الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة.
- تعزيز العمل مع الأجهزة وشركاء التنمية في مسائل رئيسية مثل التدقيق في المشاريع المموّلة من الجهات المانحة، حيث ازداد الاعتماد على الأجهزة بشكل كبير. ومن الأمثلة البارزة على ذلك العمل مع الصّندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا والتحالف العالمي للقاحات والتحصين، حيث تؤدّي الأجهزة دوراً متنامياً في تعزيز المساءلة في قطاع الصحة.
إلى ذلك، كشفت تلك المرحلة عن تحديات مهمّة. فقد شهد عدد الموقّعين على مذكرة التفاهم انكماشاً، وبدا أنَّ الدعم المالي للأجهزة قد خفت في السّنوات الأخيرة. وتكمن أهمية هذا الأمر في أنَّ السبب الأساسيّ لمبادرة التعاون لم تكن تحسين التنسيق فحسب، بل أيضاً المساعدة في حشد دعم أقوى وأكثر قابلية للتوقّع وأفضل توافقاً لتطوير الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة. ويثير تراجع التمويل تساؤلات عمّا إذا كانت الأجهزة تتلقّى المقدار الكافي من الاهتمام في إطار المشهد الأوسع لتمويل التنمية، خصوصاً في وقت باتت فيه المساءلة العامة، والإشراف على الديون، والاستخدام الفعّال للموارد النادرة أكثر أهمية. وبالنسبة إلى مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة، فإنَّ هذا من شأنه أن يعزّز الحاجة إلى تجديد عرض القيمة، ويقوّي تواصله الاستراتيجي، ويقدّم حجّة أوضح للسّبب الذي يجعل الاستثمار في الأجهزة جزءاً من خطط أوسع نطاقاً تتعلّق بالحوكمة والتمويل من أجل التنمية.
السّبيل إلى الأمام
رغم أنَّ الاتجاه الاستراتيجي يبقى على مقدار كبير من الأهمية، فقد تغيّر السّياق العالمي بشكل كبير. فالضغوط المالية، وتفاقم نقاط الضّعف المرتبطة بالديون، ومخاطر الحوكمة والنزاهة، وتراجع ثقة العموم في المؤسّسات، كلّها أمور تتطلّب منظومات مساءلة قوية. في الوقت نفسه، يعمل التحوّل الرقمي وزيادة توفّر البيانات على إعادة تشكيل الطريقة التي يمكن بها التنسيق وتبادل المعرفة.
والواقع أنَّ الخطة المنبثقة عن المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية تضفي المزيد من الأهمية على هذه المناقشة. ويؤكّد التزام إشبيلية وإطار نتائجه بشدّة على توسيع الحيّز المالي، ومعالجة نقاط الضّعف المرتبطة بالديون، وتحسين فعاليّة التعاون الإنمائي الدولي، وإصلاح البنية المالية الدولية. وتشير هذه الأولويات بشكل مباشر إلى الميزة النسبية لمبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة، ألا وهي المساعدة في جعل الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة جزءاً من الحلّ لتحسين الإدارة المالية العامة، وتعزيز المساءلة المحلية، وزيادة الصدقيّة في استخدام تمويل التنمية بقيادة البلدان. وبهذا المعنى، فإن خطة المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية توفّر لمبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة الفرصة لتأطير الدعم للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة ليس باعتباره مسألة حوكمة مؤسّسية فحسب، بل أيضاً مساهمة عملية في تمويل أكثر فعاليّة وقابلية للمساءلة من أجل التنمية.
في هذا السياق، تحتل مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة في مكانة جيّدة، ولكنّها لم تُستغل بالكامل بعد، لتشكّل منصّة عالمية مرئية وديناميكية ومؤثّرة. ويبقى العمل الحالي متمحوراً حول الاجتماعات السنوية للجنة التوجيهية، في حين يمكن تحديث الأدوات الرقمية والأصول المعرفية لدعم التنسيق والتأثير والتعلّم بشكل أفضل.
ويمكن أن تتماشى مبادرة التعاون المفعّلة مع الركائز التالية التي يعزّز بعضها بعضاً:
- الانتشار والتواصل الاستراتيجي: تحويل مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة من منصّة تنسيق إلى صوت استراتيجي أقوى ونقطة مرجعيّة عالمية معترف بها لتنمية قدرات الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة وشراكات المساءلة.
- المعرفة والابتكار وبناء التحالفات: المضي إلى ما هو أبعد من التنسيق نحو القيادة حسب المواضيع من خلال تعزيز دور مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة كمركز لتوليد المعرفة، وتوحيدها، والابتكار.
- العمل والتنسيق المستمران: تحويل مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة من حدث سنوي إلى منصّة على مدار العام للحوار والتعاون والعمل المشترك.
ولن تحلّ هذه المبادرات محلّ الاستراتيجية الحالية لمبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة، بل إنّها ستساهم بدلاً من ذلك في ترجمة هذا الأمر إلى إجراءات ملموسة ومحدّدة زمنياً وقادرة أيضاً على الاستجابة للمناقشة الأوسع نطاقاً بشأن التمويل من أجل التنمية. ومن خلال المواءمة بشكل أكثر وضوحاً مع الزّخم العالمي بشأن التزامات المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية، يصبح بإمكان مبادرة التعاون بين الإنتوساي والجهات المانحة أن تعزّز أهميتها الاستراتيجية وأن تظهر كيف يساهم الاستثمار في أجهزة عليا للرقابة المالية والمحاسبة قادرة ومستقلّة وذات صدقيّة في تمويل أكثر فعاليّة وقابلية للمساءلة واستدامة للتنمية.